ثم ظاهر كلام الشيخ أنه - على هذا - لا نكلفه غسل ما أصاب بدنه وثوبه من
الخارج، وهو ظاهر؛ لأن الأصل عدم وجوبه، وهذا ما حكاه الماوردي في هذا
الباب لا غير، وقال: إنه لو اختلط في الأمرين؛ فغسله واغتسل، كان أولى وأفضل.
وما ذكرناه، وإن صح توجيهه، فهو مشكل؛ لأنه يلزم منه القطع بفقد شرط من
شرائط الصلاة؛ لأنه إن كان منيًا فالواجب استيعاب البدن بالغسل فقط، ولم يوجد.
وإن كان مذيًا: فالواجب [مع الوضوء] غسل ما أصابه من الخارج، فإذا لم يعم
البدن بالغسل، ولا غسل ما أصابه تحقق فقد شرط منها، والقياس: عدم صحتها.
ولا جرم قال الشيخ: ويحتمل - عندي - أنه يلزمه الغسل؛ لأن خروجه أوجب
شيئًا محققًا، ولا تحصل البراءة منه يقينًا إلا بالغسل؛ فوجب.
وإنما قلنا: إنها تحصل به يقينًا؛ لأن الخارج: إن كان منيًا فهو واجبه، وإن كان مذيًا
فهو يغني عن الوضوء، في ظاهر المذهب عند الجمهور، كما قال الماوردي.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا يحتاج معه إلى وضوء؛ لما ذكرناه من التقرير،
ولا إلى غسل ما أصابه من الخارج؛ إذا قلنا بطهارة المنى، وهو ظاهر؛ فإن الأصل
عدم وجوبه. ولا شيء عند ملاقاته تحقق وجوبه، حتى نقول: يحتاط في البراءة عنه،
لكنه قال في "المهذب": عندي [أنه] يجب أن يتوضأ مرتبا، ويغسل سائر بدنه،
ويغسل الثوب منه؛ لأن جعله منيًا ليس بأولى من جعله مذيًا، ولا سبيل إلى إسقاط
حكمهما؛ لأن الذمة قد اشتغلت بفرض الطهارة والصلاة؛ فوجب الإتيان بموجبهما؛
ليسقط الفرض بيقين. وهذا قد حكاه الرافعي وجهًا في المذهب، ولا يمتنع أن
يكون أبدى في كل كتاب احتمالًا غير الآخر.
وعن بعض الأصحاب حكاية وجه آخر: أنه يخير بين أن يجعله منيًا ويجري جميع
أحكامه، أو مذيًا ويبني عليه؛ لأنه يحتمل الأمرين احتمالًا واحداص.
وهذا ما أطلق الإمام في باب سنة الوضوء [حكايته، وحكاه] عن شيخه هاهنا،
والقاضي الحسين حكاه عن القفال، وهو الأصح في الرافعي، ولم يذكر الغزالي
سواه، وقال: إنه لو راد الاقتصار على الوضوء، ولم يغسل ما أصابه من الخارج
فالمذهب: أنه لا يجزئه.