فتبعه ورجاله على الأثر، وارتقوا أدراج السلم، وقطعوا الرواق الفرعوني حتى شارفوا باب البهو الملكي، فلبثوا ينتظرون أن يؤذن لهم بالدخول، وبلغ سمعيه أصوات ضحك عالية، ووقع الأقدام الراقصة، وسجع الموسيقى العنيف، وشاهد زرافات السقاة يحملون الأباريق والأقداح والأزهار، فأدرك أن القوم لا يتحرجون في لهوهم ولا يعتدلون في أعيادهم، وأن الملك يعفيهم من الوقار والتأدب ليعودوا إلى فطرتهم الوحشية الأولى، ثم نادى باسمه أحد العبيد، وتقدم بخطى متئدة، ورأى وسط البهو خاليا، والقوم جلوسا حوله في ثيابهم الرسمية الفاخرة يتطلعون إليه باهتمام، فدخله شيء من الارتباك، وأيقن أن الحاكم عرف كيف يثير اهتمام القوم بما حدثهم عنه وعن هداياه لتعظم مآثره في عين الملك، واستبشر بذلك خيرا، ولما جاوز منتصف البهو أمر أتباعه بالوقوف، ودنا وحده من العرش وحنى هامته إجلالا، وقال بصوت الخضوع والعبودية: مولاي الرب المعبود، سيد النيل، فرعون مصر العليا والسفلى وأمير المشرقين.
فقال له الملك بصوت جهوري قوي النبرات: إني أمنحك السلام أيها العبد.
واعتدلت قامة إسفينيس، واستطاع أن يختلس نظرة سريعة إلى الرجل المتربع على عرش آبائه وأجداده، فعرف فيه صاحب تمثال الحديقة بلا شك.
ولكنه أدرك من شدة احمرار وجهه ونظرة عينيه وكأس الخمر الموضوعة أمامه أنه ثمل. وكانت الملكة تجلس إلى يمينه، والأميرة أمنريدس إلى شماله، وقد لحظها الشاب فرآها في لباسها الملكي كالكوكب المتألق، وكانت تنظر إليه في هدوء وكبرياء.
وألقى الملك عليه نظرة فاحصة فراقه منظره وابتسم قائلا بصوته الغليظ: وحق الرب إن هذا الوجه لجدير بأحد رجالنا النبلاء!
فأحنى إسفينيس رأسه وقال: شاء الرب أن يجعله لمولى من موالي فرعون.
فقهقه الملك ضاحكا وقال: أراك تحسن القول، وبالقول الحسن يستجلب قومك عطفنا ونقودنا. وهي حكمة ست أن يعطى السيف للسيد القوي، وحسن البيان للعبد الضعيف، ولكن لا عليك من هذا، فقد قال لي صديقنا خنزر إنك تحمل لنا هدية من بلاد النوبة .. أرنا هديتك.
فحنى الشاب رأسه وانتحى جانبا، ثم أشار إلى رجاله فتقدم اثنان منهم بالصندوق العاجي ووضعاه أمام العرش، ودنا الشاب منه وفتحه واستخرج منه تاجا فرعونيا مزدوجا من الذهب الخالص مرصعا بالياقوت والزمرد واللؤلؤ والمرجان، ورفعه بين يديه فخطف الأبصار، وانبهر له القوم جميعا وضجوا بالدهشة والاستحسان، وأما أبوفيس فقد حملق فيه بعينين جاحظتين جشعتين، وخلع تاجه دون شعور منه، وتناول التاج الجديد بين يديه الكبيرتين ووضعه على رأسه الأصلع، فتبدى صورة جديدة من الجلال، واغتبط الملك ولاح في وجهه الرضا، فقال للشاب: أيها التاجر، إن هديتك حازت القبول.
فانحنى إسفينيس إجلالا، والتفت إلى رجاله وأشار إليهم إشارة خاصة فأزاحوا الستار المسدل على الهودج، ورئي الأقزام الثلاثة جالسين متلاصقين، وقد أثار ظهورهم دهشة عظيمة في نفوس القوم جميعا، فقام أكثرهم واقفين، واشرأبت الأعناق، وصاح بهم التاجر أن حيوا مولاكم فرعون، فقفز الأقزام الثلاثة قفزة واحدة فصاروا صفا، ثم اقتربوا من العرش في خطى ثابتة وئيدة، وسجدوا بين يدي فرعون ثلاثا، ووقفوا ساكنين لا تبين وجوههم عن شيء. وهتف الملك قائلا: أيها التاجر، ما عسى أن تكون هذه المخلوقات؟ - هي أناس يا مولاي تعيش قبائلها في أقاصي النوبة الجنوبية، ولا يصدقون أن العالم يشتمل على أقوام سواهم، فإذا رأوا واحدا منا عقدت الدهشة ألسنتهم وتنادوا متعجبين. وقد ربيت هؤلاء الثلاثة فأحسنت تربيتهم، وسيجدهم مولاي مثالا للطاعة والعبودية، ونوعا من التسلية والتلهية.
فهز الملك رأسه الكبير، وضحك ضحكته العظيمة ثم قال: جهل من يدعي العلم كله، أما أنت أيها الشاب فقد أدخلت السرور على قلوبنا، وإني أمنحك رضاي!
अज्ञात पृष्ठ