ذهبت وأنا أفكر بمدى ارتياب الرجل بي، ولكنني لم أجد في سلوكي ما يسوغ ذلك على الإطلاق، فنحيته عن شعوري لأمضي في طريقي بلا ظنون وهمية قد تربكني وتكشف سري. وكنت أوصل رجلين في التاكسي إلى المحطة عندما سمعتهما يتحاوران عن الجريمة: فظيعة فظيعة، أي قسوة! - كانت بارعة الجمال! - ولكن النار لم تبق منها على شيء؟ - أعني لو لم تكن جميلة لما تعرضت للقتل، أنت تفهمني طبعا. - طبعا، انقضاء خمس سنوات على دفنها يجعل العثور على دليل أمرا مستحيلا.
فتدخلت في الحديث قائلا: قرأت في الجرائد أنه يمكن بفحص الموميات علميا معرفة أسباب الوفاة، فإذا كان السبب جريمة أمكن بمناقشة الملابسات التاريخية تحديد القاتل في شخص أو طائفة. فضحك الرجلان وقال أحدهما: على عهد الفراعنة كان الناس يموتون أو يقتلون لأسباب مقنعة.
وضحك الرجلان مرة أخرى.
قلت لنفسي إن أحاديث الناس لا تدل على أنهم متواطئون، وتقطع بأنهم غير راضين حتى ولو كانوا متواطئين، فلماذا يشتركون في إخفاء معالم الجريمة، والتستر على القاتل أو القتلة رغم إرادتهم أو رغم نفورهم؟!
ومرة كنت أوصل أسرة إلى عيون المياه، فدار الحديث أيضا حول الجريمة. - ما يقال بخلاف ذلك فهو مجرد إشاعة. - أنت تعلم - كما نعلم - أنها الحقيقة ...
وتوثبت لإرهاف السمع، ولكني لمحت في المرآة امرأة تحذر المتكلمين مشيرة بذقنها نحوي! وجعلت أتقلب في شتى الأماكن كما أتابع الأحاديث في التاكسي، أسجل الكلمات في ذاكرتي، أناقشها، أفكر بأبعادها، أستنتج متعاملا مع الاستقراء والقياس، مستفيدا من كل ملاحظة.
وقد سألت رئيسي وكنت أزوره كلما أوصلت راكبا إلى العاصمة: ألا يوجد احتمال أن يكون مرتكب تلك الجريمة من خارج الضاحية؟ - ليس ذلك بالمستحيل، وفي تلك الحال تكون الجريمة عادية، وتأخذ العدالة مجراها. - ما الذي يحمل فقراء الحي الشرقي على الاشتراك مع سادة الحي الغربي في إخفاء جريمة رغم حدة التناقضات بين الجانبين؟ - تساؤل يقطع بأنك بدأت تضع قدمك في الطريق الصحيحة. - أرجح أن يكون القاتل من السادة! - تفكير سليم جدا! - هل يعني ذلك أن القتيلة من الجانب الآخر؟ - قد وقد ... - السر إذن يكمن في المصلحة المشتركة بين الجميع حتى رجال الأمن أنفسهم؟ - هذه هي المسألة.
وعلمت مما يقال في الضاحية أن الجثة اكتشفت وهم يحفرون الأساس لبناء مصحة الأمراض العقلية، وعرفت أول من عثر عليها من البنائين، وهو صعيدي من هواة الجلوس في مقهى الشمس بالحي الشرقي. وعملت على التعرف به ومجالسته فشربنا الشاي معا ، وسألته: كيف كان شعورك عندما عثرت على الجثة المطمورة؟
فقال بفخار: ناديت أصحابي ثم جاءت الشرطة ...
تبادلنا حديثا سطحيا مؤجلا الأسئلة الهامة للقاء آخر، ولكني لم أعثر عليه بعد ذلك، وقيل إن ظروفا اضطرته للسفر فورا إلى الصعيد ... ترى هل وقع ذلك بمحض الصدفة؟ ساورني القلق فخفت أن أكون مراقبا على غير ما أتصور، وشحذت انتباهي ما وسعني ذلك، ولكني لم أكف دقيقة عن نشاطي المرسوم. فتحت صدري لكل علاقة، استكثرت من الأصدقاء، قدمت الخدمات بلا حساب، وظل حديث الجريمة يجري على كل لسان، في البيت والمقهى والسوق والتاكسي، يتردد بغيظ وحنق، وأحيانا بسخرية، ولكنه لا يشق حجاب الغموض أبدا، ثمة شيء في الأعماق يعوزه التعبير، يكبته أنه في اللاوعي، أو الخوف أو الخجل أو الرغبة المحمومة في الهرب، ولاحظت ذات يوم - وأنا في السوق - أن امرأة فقيرة دمعت عيناها وهي تصغي إلى حديث الجريمة الذي لا ينقطع، جذب وجهها عيني بفقره وجماله الذابل المتواري وراء غلاف من الإهمال والتعاسة، ترى هل تبكي بدافع عاطفة إنسانية عامة أو لأسباب أشد خصوصية؟ وقررت في الحال تعقبها من بعيد لعل وعسى، ولما وصلت إلى آخر منطقة في السوق اعترضني صوت قائلا: ها أنت تهيم على وجهك مهملا عملك!
अज्ञात पृष्ठ