जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
يعني بقوله جل ثناؤه: { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات }: والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بما أنزل الله على محمد مصدقا لما معهم من يهود بني إسرائيل وسائر الأمم غيرهم. { وعملوا الصلحات } يقول: وأدوا ما أمرهم الله به من فرائضه، واجتنبوا ما حرم الله عليهم من معاصيه، وذلك هو الصالح من أعمالهم. { سندخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر } يقول: سوف يدخلهم الله يوم القيامة جنات، يعني: بساتين { تجرى من تحتها الأنهر } يقول: تجري من تحت تلك الجنات الأنهار. { خلدين فيها أبدا } يقول: باقين فيها أبدا بغير نهاية ولا انقطاع، دائم ذلك لهم فيها أبدا. { لهم فيها أزوج } يقول: لهم في تلك الجنات التي وصف صفتها { أزوج مطهرة } يعني: بريئات من الأدناس والريب الحيض والغائط والبول والحبل والبصاق، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا. وقد ذكرنا ما في ذلك من الأثار فيما مضى قبل، وأغنى ذلك عن إعادتها. وأما قوله: { وندخلهم ظلا ظليلا } فإنه يقول: وندخلهم ظلا كنينا، كما قال جل ثناؤه:
وظل ممدود
[الواقعة: 30]. وكما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قالا جميعا، ثنا شعبة، قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:
" إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد ".
[4.58]
اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها: ولاة أمور المسلمين. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبي مكين، عن زيد بن أسلم، قال: نزلت هذه الآية: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى أهلها } في ولاة الأمر. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إديس، قال: ثنا ليث، عن شهر، قال: نزلت في الأمراء خاصة { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل }. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا إدريس، قال: ثنا إسماعيل، عن مصعب بن سعد، قال: قال علي رضي الله عنه: كلمات أصاب فيهن حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدى الأمانة، وإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل عن مصعب بن سعد، عن علي بنحوه. حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا موسى بن عمير، عن مكحول، في قول الله:
وأولى الأمر منكم
[النساء: 59] قال: هم أهل الآية التي قبلها: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى أهلها }... إلى آخر الآية. حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن زيد، قال: قال أبي: هم الولاة، أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها. وقال آخرون: أمر السلطان بذلك أن يعطوا الناس. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى أهلها } قال: يعني: السلطان يعطون الناس. وقال آخرون: الذي خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مفاتيح الكعبة أمر بردها على عثمان بن طلحة. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى أهلها } قال: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة، ودخل بها البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: فداؤه أبي وأمي! ما سمعته يتلوها قبل ذلك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال: دفعه إليه وقال: أعينوه. وأولى هذه الأقوال بالصوااب في ذلك عندي قول من قال: هو خطاب من الله ولاة أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من ولوا في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم بالعدل بينهم في القضية.
والقسم بينهم بالسوية، يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم
अज्ञात पृष्ठ