जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
يريد عشرا عشرا، يقال: إنه لم يسمع غير ذلك. وأما قوله: { فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة } فإن نصب واحدة، بمعنى: فإن خفتم ألا تعدلوا فيما يلزمكم من العدل ما زاد على الواحدة من النساء عندكم بنكاح فيما أوجبه الله لهن عليكم، فانكحوا واحدة منهن، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالرفع كان جائزا بمعنى: فواحدة كافية، أو فواحدة مجزئة، كما قال جل ثناؤه:
فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان
[البقرة: 282] وإن قال لنا قائل: قد علمت أن الحلال لكم من جميع النساء الحرائر نكاح أربع، فكيف قيل: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع } وذلك في العدد تسع؟ قيل: إن تأويل ذلك: فانكحوا ما طاب لكم من النساء، إما مثنى إن أمنتم الجور من أنفسكم فيما يجب لهما عليكم وإما ثلاث إن لم تخافوا ذلك وإما أربع إن أمنتم ذلك فيهن، يدل على صحة ذلك قوله: { فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة } لأن المعنى: فإن خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة، ثم قال: وإن خفتم ألا تعدلوا أيضا في الواحدة، فما ملكت أيمانكم. فإن قال قائل: فإن أمر الله ونهيه على الإيجاب والإلزام حتى تقوم حجة بأن ذلك على التأديب والإرشاد والإعلام، وقد قال تعالى ذكره: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } وذلك أمر، فهل من دليل على أنه من الأمر الذي هو على غير وجه الإلزام والإيجاب؟ قيل: نعم، والدليل على ذلك قوله: { فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة } فكان معلوما بذلك أن قوله: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } وإن كان مخرجه مخرج الأمر، فإنه بمعنى الدلالة على النهي عن نكاح ما خاف الناكح الجور فيه من عدد النساء، لا بمعنى الأمر بالنكاح.
فإن المعني به: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فتحرجتم فيهن، فكذلك فتحرجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه منهن، ما أحللته لكم من الواحدة إلى الأربع. وقد بينا في غير هذا الموضع بأن العرب تخرج الكلام بلفظ الأمر، ومعناها فيه النهي أو التهديد والوعيد، كما قال جل ثناؤه:
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] وكما قال:
ليكفروا بمآ آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون
[النحل: 55] فخرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود به التهديد والوعيد، والزجر والنهي، فكذلك قوله: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } بمعنى النهي، فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء. وعلى النحو الذي قلنا في معنى قوله: { أو ما ملكت أيمنكم } قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة أو ما ملكت أيمنكم } يقول: فإن خفت ألا تعدل في واحدة، فما ملكت يمينك. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { أو ما ملكت أيمنكم }: السراري. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة أو ما ملكت أيمنكم } فإن خفت ألا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك. حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك، قوله: { فإن خفتم ألا تعدلوا } قال: في المجامعة والحب. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلك أدنى أن لا تعولوا }. يعني بقوله تعالى ذكره: وإن خفتم ألا تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباع فنكحتم واحدة، أو خفتم ألا تعدلوا في الواحدة فتسررتم ملك أيمانكم فهو أدنى، يعني: أقرب ألا تعولوا، يقول: أن لا تجوروا ولا تميلوا، يقال منه: عال الرجل فهو يعول عولا وعيالة، إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض، لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص وأما من الحاجة، فإنما يقال: عال الرجل عيلة، وذلك إذا احتاج، كما قال الشاعر:
وما يدري الفقير متى غناه
وما يدري الغني متى يعيل
अज्ञात पृष्ठ