806

[النساء: 127] لا يورثوهم، قال، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي أخذه خبيث. قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: تأويل ذلك: ولا تتبدلوا أموال أيتامكم أيها الأوصياء الحرام عليكم الخبيث لكم، فتأخذوا رفائعها وخيارها وجيادها «بالطيب الحلال لكم من أموالكم» { وتجعلوا } الرديء الخسيس بدلا منه.

وذلك أن تبدل الشيء بالشيء في كلام العرب أخذ شيء مكان آخر غيره، يعطيه المأخوذ منه، أو يجعله مكان الذي أخذ. فإذا كان ذلك معنى التبديل والاستبدال، فمعلوم أن الذي قاله ابن زيد من أن معنى ذلك: هو أخذ أكبر ولد الميت جميع مال ميته ووالده دون صغارهم إلى ماله، قول لا معنى له، لأنه إذا أخذ الأكبر من ولده جميع ماله دون الأصاغر منهم، فلم يستبدل مما أخذ شيئا. فما التبدل الذي قال جل ثناؤه: { أمولهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ولم يبدل الآخذ مكان المأخوذ بدلا؟ وأما الذي قاله مجاهد وأبو صالح من أن معنى ذلك لا تتعجل الرزق الحرام قبل مجيء الحلال، فإنهما أيضا إن لم يكونا أرادا بذلك نحو القول الذي روي عن ابن مسعود أنه قال: إن الرجل ليحرم الرزق بالمعصية يأتيها، ففساده نظير فساد قول ابن زيد، لأن من استعجل الحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقه الحلال فلم يبدل شيئا مكان شيء، وإن كانا أرادا بذلك أن الله جل ثناؤه نهى عباده أن يستعجلوا الحرام فيأكلوه قبل مجيء الحلال، فيكون أكلهم ذلك سببا لحرمان الطيب منه، فذلك وجه معروف، ومذهب معقول يحتمله التأويل، غير أن الأشبه في ذلك بتأويل الآية ما قلنا، لأن ذلك هو الأظهر من معانيه، لأن الله جل ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصة أموال اليتامى وأحكامها، فلا يكون ذلك من جنس حكم أول الآية، فأخرجها من أن يكون من غير جنسه. القول في تأويل قوله تعالى: { ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم }. قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا تخلطوا أموالهم يعني: أموال اليتامى بأموالكم فتأكلوها مع أموالكم. كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم } يقول: لا تأكلوا أموالكم وأموالهم، تخلطوها فتأكلوها جميعا. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن مبارك، عن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى، كرهوا أن يخالطوهم، وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله:

ويسئلونك عن اليتمى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخونكم

[البقرة: 220] قال: فخالطوهم واتقوا. القول في تأويل قوله تعالى: { إنه كان حوبا كبيرا }. قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: { إنه كان حوبا كبيرا } إن أكلكم أموال أيتامكم مع أموالكم حوب كبير .

والهاء في قوله «إنه» دالة على اسم الفعل، أعني الأكل. وأما الحوب: فإنه الإثم، يقال منه: حاب الرجل يحوب حوبا وحوبا وحيابة، ويقال منه: قد تحوب الرجل من كذا، إذا تأثم منه. ومنه قول أمية بن الأسكر الليثي:

وإن مهاجرين تكنفاه

غداتئذ لقد خطئا وحابا

ومنه قيل: نزلنا بحوبة من الأرض وبحيبة من الأرض: إذا نزلوا بموضع سوء منها. والكبير: العظيم، فمعنى ذلك: إن أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم، إثم عند الله عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو وعمرو بن علي، قالا: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: { حوبا كبيرا } قال: إثما. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { إنه كان حوبا كبيرا } قال: إثما عظيما. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { كان حوبا } أما حوبا: فإثما. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { حوبا } قال: إثما. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { إنه كان حوبا كبيرا } يقول: ظلما كبيرا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد، يقول في قوله: { إنه كان حوبا كبيرا } قال: ذنبا كبيرا، وهي لأهل الإسلام. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا قرة بن خالد، قال: سمعت الحسن يقول: { حوبا كبيرا } قال: إثما والله عظيما.

[4.3]

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى ألا تقسطوا في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهن صدقات أمثالهن، فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرهن من الغرائب اللواتي أحلهن الله لكم وطيبهن من واحدة إلى أربع. وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة، فلا تعدلوا، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } فقالت: يا ابن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهن من النساء. حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن قول الله تبارك وتعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال يونس بن يزيد: قال ربيعة في قول الله: { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى } قال: يقول: اتركوهن فقد أحللت لكم أربعا. حدثنا الحسن بن الجنيد وأبو سعيد بن مسلمة، قالا: أنبأنا إسماعيل بن أمية، عن ابن شهاب، عن عروة، قال: سألت عائشة أم المؤمنين، فقلت: يا أم المؤمنين أرأيت قول الله: { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتمى فانكحوا ما طاب لكم من النساء }؟ قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة صداق نسائها، فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا فيكملوا لهن الصداق، ثم أمروا أن ينكحوا سواهن من النساء إن لم يكملوا لهن الصداق . حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني يونس، عن ابن شهاب، قال: ثني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثل حديث يونس، عن ابن وهب.

अज्ञात पृष्ठ