जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. وأولى التأويلات بتأويل الآية، قول من قال في ذلك: { يا أيها الذين ءامنوا }: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، اصبروا على دينكم، وطاعة ربكم، وذلك أن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئا فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل. فلذلك قلنا إنه عنى بقوله: { اصبروا } الأمر بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها. { وصابروا } يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب في المفاعلة، أن تكون من فريقين، أو اثنين فصاعدا، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة، وإذ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكن عدوهم أصبر منهم.
وكذلك قوله { ورابطوا } معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك في سبيل الله. وأرى أن أصل الرباط: ارتباط الخيل للعدو، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم، ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر، يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم، ممن بغاهم بشر كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رجلة لا مركب له. وإنما قلنا: معنى { ورابطوا }: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم، لأن ذلك هو المعنى المعروف من معاني الرباط. وإنما توجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه دون الخفي، حتى يأتي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل. القول في تأويل قوله تعالى: { واتقوا الله لعلكم تفلحون }. يعني بذلك تعالى ذكره: واتقوا الله أيها المؤمنون، واحذروه أن تخالفوا أمره، أو تتقدموا نهيه، { لعلكم تفلحون } يقول: لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد، وتنجحوا في طلباتكم عنده. كما: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في قوله: { واتقوا الله لعلكم تفلحون }: واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني.
[4 - سورة النساء]
[4.1]
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: { يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس وحدة }: احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم، وفيما نهاكم، فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به. ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، وعرف عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجب وجوب حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة. وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض، وإن بعد التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى. وعاطفا بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا، ولا يتظالموا، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف، على ما ألزمه الله له، فقال: { الذى خلقكم من نفس وحدة } يعني من آدم. كما: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما { خلقكم من نفس وحدة }: فمن آدم صلى الله عليه وسلم. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس وحدة } يعني: آدم صلى الله عليه وسلم. حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: { خلقكم من نفس وحدة } قال: آدم. ونظير قوله: { من نفس وحدة } والمعني به رجل، قول الشاعر:
أبوك خليفة ولدته أخرى
وأنت خليفة ذاك الكمال
فقال: «ولدته أخرى»، وهو يريد الرجل، فأنث للفظ الخليفة. وقال تعالى ذكره: { من نفس وحدة } لتأنيث «النفس» والمعنى. «من رجل واحد» ولو قيل: «من نفس واحد»، وأخرج اللفظ على التذكير للمعنى كان صوابا. القول في تأويل قوله تعالى: { وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء }. يعني بقوله جل ثناؤه: { وخلق منها زوجها } وخلق من النفس الواحدة زوجها يعني ب «الزوج» الثاني لها وهو فيما قال أهل التأويل: امرأتها، حواء. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وخلق منها زوجها } قال: حواء من قصيرى آدم وهو نائم، فاستيقظ فقال: «أثا» بالنبطية امرأة. حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { وخلق منها زوجها } يعني حواء خلقت من آدم، من ضلع من أضلاعه.
حدثني موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: أسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة، فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها ما أنت؟ قالت امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ألقي على آدم صلى الله عليه وسلم السنة فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن العباس وغيره، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه، وآدم نائم لم يهب من نومته، حتى خلق الله تبارك وتعالى من ضلعه تلك زوجته حواء، فسواها امرأة ليسكن إليها، فلما كشفت عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه، فقال فيما يزعمون والله أعلم: لحمي ودمي وزوجتي! فسكن إليها. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وخلق منها زوجها } جعل من آدم حواء. وأما قوله: { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } فإنه يعني ونشر منهما يعني من آدم وحواء { رجالا كثيرا ونساء } قد رآهم، كما قال جل ثناؤه:
كالفراش المبثوث
अज्ञात पृष्ठ