जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
لمن طلل أبصرته فشجاني
كخط زبور في عسيب يماني
ويعني بالكتاب: التوراة والإنجيل، وذلك أن اليهود كذبت عيسى وما جاء به وحرفت ما جاء به موسى عليه السلام من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وبدلت عهده إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته وغيرت ما أمرهم به في أمره. وأما قوله: { المنير } فإنه يعني: الذي ينير فيبين الحق لمن التبس عليه ويوضحه، وإنما هو من النور والإضاءة، يقال: قد أنار لك هذا الأمر، بمعنى: أضاء لك وتبين، فهو ينير إنارة، والشيء المنير. وقد: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } قال: يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا الحرف في مصاحف أهل الحجاز والعراق: «والزبر» بغير باء، وهو في مصاحف أهل الشام: «وبالزبر» بالباء مثل الذي في سورة فاطر.
[3.185]
يعني بذلك تعالى ذكره: أن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود المكذبين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربهم، ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم إليه، لأنه قد حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيب من كذبك يا محمد من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى علي، فقد كذب قبلك رسل جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه بمثل الذي جئت من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوة تتعزى بهم، ومصير من كذبك، وافترى علي وغيرهم، ومرجعهم إلي، فأوفي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه: { وإنما توفون أجوركم يوم القيمة } يعني أجور أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. { فمن زحزح عن النار } ، يقول: فمن نحي عن النار وأبعد منها، { فقد فاز } يقول: فقد نجا وظفر بحاجته، يقال منه: فاز فلان بطلبته يفوز فوزا ومفازا ومفازة: إذا ظفر بها. وإنما معنى ذلك: فمن نحي عن النار فأبعد منها، وأدخل الجنة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة. { وما الحيوة الدنيا إلا متع الغرور } يقول: وما لذات الدنيا وشهواتها، وما فيها من زينتها وزخارفها، إلا متاع الغرور، يقول: إلا متعة يمتعكموها الغرور والخداع المضمحل، الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار، فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره، يقول تعالى ذكره: لا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون. وقد روي في تأويل ذلك ما: حدثني به المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله: { وما الحيوة الدنيا إلا متع الغرور } قال: كزاد الراعي، تزوده الكف من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن. فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاع قليل، لا يبلغ من تمتعه ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل وإن كان وجها من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا، لأن الغرور إنما هو الخداع في كلام العرب، وإذ كان كذلك فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور وأما الذي هو في غرور فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور. والغرور مصدر من قول القائل: غرني فلان، فهو يغرني غرورا بضم الغين وأما إذا فتحت الغين من الغرور فهو صفة للشيطان الغرور الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته. وقد: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبدة وعبد الرحيم، قالا: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرءوا إن شئتم { وما الحيوة الدنيا إلا متع الغرور } » "
[3.186]
يعني بذلك تعالى ذكره: { لتبلون فى أمولكم } لتختبرن بالمصائب في أموالكم وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم، { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم } يعني: من اليهود وقولهم
إن الله فقير ونحن أغنياء
وقولهم
अज्ञात पृष्ठ