786

يعني بالملوان: الليل والنهار. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: «ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم» فقرأ ذلك جماعة منهم: { ولا يحسبن } بالياء وفتح الألف من قوله { أنما } على المعنى الذي وصفت من تأويله. وقرأه آخرون: «ولا تحسبن» بالتاء و { أنما } أيضا بفتح الألف من «أنما»، بمعنى: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم. فإن قال قائل: فما الذي من أجله فتحت الألف من قوله: { أنما } في قراءة من قرأ بالتاء، وقد علمت أن ذلك إذا قرىء بالتاء فقد أعلمت تحسبن في الذين كفروا، وإذا أعملتها في ذلك لم يجز لها أن تقع على «أنما» لأن «أنما» إنما يعمل فيها عامل يعمل في شيئين نصبا؟ قيل: أما الصواب في العربية ووجه الكلام المعروف من كلام العرب كسر إن إذا قرئت تحسبن بالتاء، لأن تحسبن إذا قرئت بالتاء، فإنها قد نصبت الذين كفروا، فلا يجوز أن تعمل وقد نصبت اسما في أن، ولكنى أظن أن من قرأ ذلك بالتاء في تحسبن وفتح الألف من أنما، إنما أراد تكرير تحسبن على أنما، كأنه قصد إلى أن معنى الكلام: ولا تحسبن يا محمد أنت الذين كفروا، لا تحسبن أنما نملي لهم خير لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه:

فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة

[محمد: 18] بتأويل: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة؟ وذلك وإن كان وجها جائزا في العربية، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل. والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ: { ولا يحسبن الذين كفروا } بالياء من «يحسبن»، وبفتح الألف من «أنما»، على معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل في «أنما» نصبا لأن «يحسبن» حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه، وهي تطلب منصوبين. وإنما اخترنا ذلك لإجماع القراء على فتح الألف من «أنما» الأولى، فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة في «يحسبن» بالياء لما وصفنا وأما ألف «إنما» الثانية فالكسر على الابتداء بالإجماع من القراء عليه. وتأويل قوله: { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما }: إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثما، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر { ولهم عذاب مهين } يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة. وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، قال: قال عبد الله: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، وقرأ: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لانفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } وقرأ:

نزلا من عند الله وما عند الله خير للابرار

[آل عمران: 198].

[3.179]

يعني بقوله: { ما كان الله ليذر المؤمنين } ما كان الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا { حتى يميز الخبيث من الطيب } يعني بذلك: حتى يميز الخبيث، وهو المنافق المستسر للكفر، من الطيب، وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان بالمحن والاختبار، كما ميز بينهم يوم أحد عند لقاء العدو عند خروجهم إليه. واختلف أهل التأويل في الخبيث الذي عنى الله بهذه الآية، فقال بعضهم فيه مثل قولنا. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثني أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } قال: ميز بينهم يوم أحد، المنافق من المؤمن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } قال ابن جريج: يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب. قال: ابن جريج: قال مجاهد: يوم أحد ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب }: أي المنافق. وقال آخرون: معنى ذلك: حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه } يعني: الكفار. يقول: لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة، { حتى يميز الخبيث من الطيب }: يميز بينهم في الجهاد والهجرة. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { حتى يميز الخبيث من الطيب } قال: حتى يميز الفاجر من المؤمن. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومن يكفر! فأنزل الله: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب }: حتى يخرج المؤمن من الكافر. والتأويل الأول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبلها في ذكر المنافقين وهذه في سياقتها، فكونها بأن تكون فيهم أشبه منها بأن تكون في غيرهم. القول في تأويل قوله تعالى: { وما كان ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم بما: حدثنا به محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } وما كان الله ليطلع محمدا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا. وقال آخرون بما: حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } أي فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه: { ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء } يعلمه. وأولى الأقوال في ذلك بتأويله: وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء كما ميز بينهم بالبأساء يوم أحد، وجهاد عدوه، وما أشبه ذلك من صنوف المحن، حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم. غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء، فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم بوحيه ذلك إليه ورسالته. كما: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء } قال: يخلصهم لنفسه. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بتأويل الآية، ابتداءها خبر من الله تعالى ذكره أنه غير تارك عباده، يعني بغير محن، حتى يفرق بالابتلاء بين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفاقهم. ثم عقب ذلك بقوله: { وما كان ليطلعكم على الغيب } ، فكان فيما افتتح به من صفة إظهار الله نفاق المنافق وكفر الكافر، دلالة واضحة على أن الذي ولي ذلك هو الخبر عن أنه لم يكن ليطلعهم على ما يخفى عنهم من باطن سرائرهم إلا بالذي ذكر أنه مميز به نعتهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلمه. القول في تأويل قوله تعالى: { فئامنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم }. يعني بذلك جل ثناؤه بقوله: { وإن تؤمنوا }: وإن تصدقوا من اجتبيته من رسلي بعلمي، وأطلعته على المنافقين منكم، وتتقوا ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وفيما نهاكم عنه، { فلكم أجر عظيم } يقول: فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم ثواب عظيم. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { فئامنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا }: أي ترجعوا وتتوبوا، { فلكم أجر عظيم }.

[3.180]

اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه جماعة من أهل الحجاز والعراق: { ولا يحسبن الذين يبخلون } بالياء من يحسبن وقرأته جماعة أخر: «ولا تحسبن» بالتاء. ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: لا يحسبن الباخلون البخل هو خيرا لهم. فاكتفى بذكر يبخلون من البخل، كما تقول: قدم فلان فسررت به، وأنت تريد فسررت بقدومه، وهو عماد. وقال بعض نحويي أهل البصرة: إنما أراد بقوله: «ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم» لا تحسبن البخل هو خيرا لهم، فألقى الاسم الذي أوقع عليه الحسبان به وهو البخل، لأنه قد ذكر الحسبان، وذكر ما آتاهم الله من فضله، فأضمرهما إذ ذكرهما، قال: وقد جاء من الحذف ما هو أشد من هذا، قال:

अज्ञात पृष्ठ