जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أموتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } إلى قوله: { ولا هم يحزنون } ، فهذا النبأ الذي بلغ الله ورسوله والمؤمنين ما قال الشهداء. وفي نصب قوله: { فرحين } وجهان: أحدهما: أن يكون منصوبا على الخروج من قوله: { عند ربهم } والآخر من قوله: { يرزقون }. ولو كان رفعا بالرد على قوله: «بل أحياء فرحون» كان جائزا. القول في تأويل قوله: { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. يعني بذلك تعالى ذكره: ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم، من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم، صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك، { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } يعني بذلك: لا خوف عليهم لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من أسباب الدنيا، ونكد عيشها، للخفض الذي صاروا إليه والدعة والزلفة، ونصب أن لا بمعنى: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم }... الآية، يقول: لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم لما قدموا عليه من الكرامة والفضل والنعيم الذي أعطاهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم }... الآية، قال يقول: إخواننا يقتلون كما قتلنا، يلحقون فيصيبون من كرامة الله تعالى ما أصبنا. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا عن بعضهم في قوله: { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أموتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } قال: هم قتلى بدر وأحد، زعموا أن الله تبارك وتعالى لما قبض أرواحهم، وأدخلهم الجنة، جعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش. فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة، قالوا: ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه! فإذا شهدوا قتالا تعجلوا إلى ما نحن فيه! فقال الله تعالى: إني منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه! ففرحوا به واستبشروا، وقالوا: يخبر الله نبيكم وإخوانكم بالذي أنتم فيه، فإذا شهدوا قتالا أتوكم.
قال: فذلك قوله: { فرحين بما ءاتهم الله من فضله }... إلى قوله: { أجر المؤمنين }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم }: أي ويسرون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الخوف والحزن. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } قال: هم إخوانهم من الشهداء ممن يستشهد من بعدهم، { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } حتى بلغ:
وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين
[آل عمران: 171] حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: أما { يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } ، فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله، فيقال: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا! فيستبشر حين يقدم عليه، كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا.
[3.171]
يقول جل ثناؤه: { يستبشرون } يفرحون، { بنعمة من الله } يعني بما حباهم به تعالى ذكره من عظيم كرامته عند ورودهم عليه، { وفضل } يقول: وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجهاد أعدائه. { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين }. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن أبي إسحاق: { يستبشرون بنعمة من الله وفضل }... الآية، لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب. واختلف القراء في قراءة قوله: { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } ، فقرأ ذلك بعضهم بفتح الألف من «أن» بمعنى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين. وبكسر الألف على الاستئناف واحتج من قرأ ذلك كذلك بأنها في قراءة عبد الله: «وفضل والله لا يضيع أجر المؤمنين» قالوا: فذلك دليل على أن قوله: «وإن الله» مستأنف غير متصل بالأول. ومعنى قوله: { لا يضيع أجر المؤمنين }: لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه وعمل بما جاءه من عند الله. وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك: { وأن الله } بفتح الألف، لإجماع الحجة من القراء على ذلك.
[3.172]
يعني بذلك جل ثناؤه: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، المستجيبين لله والرسول، من بعد ما أصابهم الجراح والكلوم وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد في طلب العدو أبي سفيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أحد وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليري الناس أن به وأصحابه قوة على عدوهم. كالذي: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني حسان بن عبد الله، عن عكرمة، قال: كان يوم أحد السبت للنصف من شوال فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال لي يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك! فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوههم عن عدوهم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحدا، قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي، أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل! فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحا منه، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثا: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فقال الله تبارك وتعالى: { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصبهم القرح }: أي الجراح ، وهم الذين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم أحد إلى حمراء الأسد على ما بهم من ألم الجراح. { للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم }. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصبهم القرح }... الآية، وذلك يوم أحد بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون أبو سفيان وأصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم:
" ألا عصابة تشد لأمر الله تطلب عدوها؟ فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسمع "
अज्ञात पृष्ठ