757

" انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا! إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتين من قبلك! "

فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، واقتتلوا حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين، فأنزل الله عز وجل نصره، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمة لا شك فيها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه ، عن جده، قال: قال الزبير: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوازم، ما دون إحداهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل! فانكفأنا وأنكفأ علينا القوم بعد أن هزمنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحد من القوم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: { ولقد صدقكم الله وعده }: أي لقد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { ولقد صدقكم الله وعده } ، وذلك يوم أحد، قال لهم:

" إنكم ستظهرون فلا تأخذوا ما أصبتم من غنائمهم شيئا حتى تفرغوا "

فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به. القول في تأويل قوله تعالى: { إذ تحسونهم بإذنه }. يعني تعالى ذكره بذلك: ولقد وفى الله لكم أيها المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما وعدكم من النصر على عدوكم بأحد، حين تحسونهم، يعني: حين تقتلونهم. يقال منه: حسه يحسه حسا: إذا قتله. كما: حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي، قال: ثنا يعقوب بن عيسى، قال: ثني عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله: { إذ تحسونهم بإذنه } قال: الحس: القتل. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله يقول في قول الله عز وجل: { إذ تحسونهم } قال: القتل.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { إذ تحسونهم بإذنه } قال: تقتلونهم . حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم } أي قتلا بإذنه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { إذ تحسونهم } يقول: إذ تقتلونهم. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { إذ تحسونهم بإذنه } والحس القتل. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } يقول: تقتلونهم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { إذ تحسونهم } بالسيوف: أي بالقتل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن: { إذ تحسونهم بإذنه } يعني: القتل. حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: { إذ تحسونهم بإذنه } يقول: تقتلونهم. وأما قوله: { بإذنه } فإنه يعني: بحكمي وقضائي لكم بذلك وتسليطي إياكم عليهم. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { إذ تحسونهم } بإذني وتسليطي أيديكم عليهم، وكفي أيديهم عنكم. القول في تأويل قوله تعالى: { حتى إذا فشلتم وتنزعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون }. يعني بقوله جل ثناؤه: { حتى إذا فشلتم }: حتى إذا جبنتم وضعفتم، { وتنزعتم فى الأمر } بقول: واختلفتم في أمر الله يقول: وعصيتم وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره، وما عهد إليكم. وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلى الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشعب بأحد، بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين الذين ذكرنا قبل أمرهم. وأما قوله: { من بعد ما أراكم ما تحبون } فإنه يعني بذلك: من بعد الذي أراكم الله أيها المؤمنون بمحمد من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المؤمنين من ورائهم . وبنحو الذي قلنا تظاهرت الأخبار عن أهل التأويل، وقد مضى ذكر بعض من قال، وسنذكر قول بعض من لم يذكر قوله فيما مضى. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { حتى إذا فشلتم وتنزعتم فى الأمر } أي اختلفتم في الأمر، { وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون } وذاكم يوم أحد، عهد إليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بأمر، فنسوا العهد وجاوزوا وخالفوا ما أمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف عليهم عدوهم بعد ما أراهم من عدوهم ما يحبون.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسا من الناس يعني: يوم أحد فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" كونوا ههنا فردوا وجه من قدمنا، وكونوا حرسا لنا من قبل ظهورنا "

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه، اختلف الذين كانوا جعلوا من ورائهم، فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل، ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها! وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا. فذلك قوله: { منكم من يريد الدنيا } للذين أرادوا الغنيمة، { ومنكم من يريد الأخرة } للذين قالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا. فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: { وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون } كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة. حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { حتى إذا فشلتم } يقول: جبنتم عن عدوكم، { وتنزعتم فى الأمر } يقول: اختلفتم وعصيتم، { من بعد ما أراكم ما تحبون } وذلك يوم أحد، قال لهم:

" إنكم ستظهرون فلا أعرفن ما أصبتم من غنائمهم شيئا حتى تفرغوا "

، فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، فانصرف عليهم عدوهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { حتى إذا فشلتم } قال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل: الجبن. حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { حتى إذا فشلتم وتنزعتم فى الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون } من الفتح. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: { حتى إذا فشلتم }: أي تخاذلتم، { وتنزعتم فى الأمر } أي اختلفتم في أمري، { وعصيتم }: أي تركتم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم وما عهد إليكم، يعني: الرماة. { من بعد ما أراكم ما تحبون } أي الفتح لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم.

अज्ञात पृष्ठ