जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
فذكر مر السنين، ثم رجع إلى الخبر عن السنين. وكما قال العجاج:
طول الليالي أسرعت في نقضي
طوين طولي وطوين عرضي
وقد بينت العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل. وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءايته } كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأبينه ضلالة، وأعراه جلودا، وأجوعه بطونا، مكعومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس، والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيا ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظا، وأدق فيها شأنا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله: { وكنتم على شفا حفرة من النار } يقول: كنتم على الكفر بالله، { فأنقذكم منها }: من ذلك، وهداكم إلى الإسلام. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } بمحمد صلى الله عليه وسلم يقول: كنتم على طرف النار من مات منكم أوبق في النار، فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فاستنقذكم به من تلك الحفرة. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا حسن بن حي: { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } قال: عصبية. القول في تأويل قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تهتدون }. يعني جل ثناؤه بقوله: كذلك كما بين لكم ربكم في هذه الآيات أيها المؤمنون من الأوس والخزرج، من غل اليهود، الذي يضمرونه لكم، وغشهم لكم، وأمره إياكم بما أمركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحال التي كنتم عليها في جاهليتكم، والتي صرتم إليها في إسلامكم، يعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه قبلكم، وصنائعه لديكم، فكذلك يبين سائر حججه لكم في تنزيله، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. { لعلكم تهتدون } يعني: لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها فلا تضلوا عنها.
[3.104]
يعني بذلك جل ثناؤه: { ولتكن منكم } أيها المؤمنون، { أمة } يقول: جماعة { يدعون } الناس { إلى الخير } يعني إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده، { ويأمرون بالمعروف } يقول: يأمرون الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ودينه الذي جاء به من عند الله، { وينهون عن المنكر }: يعني وينهون عن الكفر بالله، والتكذيب بمحمد، وبما جاء به من عند الله بجهادهم بالأيدي والجوارح، حتى ينقادوا لكم بالطاعة. وقوله: { وأولئك هم المفلحون } يعني: المنجحون عند الله، الباقون في جناته ونعيمه. وقد دللنا فيما مضى على معنى الإفلاح في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا. حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عيسى بن عمر القارىء، عن أبي عون الثقفي، أنه سمع صبيحا، قال: سمعت عثمان يقرأ: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم». حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن الزبير يقرأ، فذكر مثل قراءة عثمان التي ذكرناها قبل سواء. حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } قال: هم خاصة أصحاب رسول الله، وهم خاصة الرواة.
[3.105]
يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تكونوا يا معشر الذين آمنوا كالذين تفرقوا من أهل الكتاب، واختلفوا في دين الله وأمره ونهيه، من بعدما جاءهم البينات، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه، فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه، جراءة على الله، وأولئك لهم: يعني ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب، من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيم. يقول جل ثناؤه: فلا تفرقوا يا معشر المؤمنين في دينكم تفرق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينت } قال: هم أهل الكتاب، نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا ويختلفوا، كما تفرق واختلف أهل الكتاب، قال الله عز وجل: { وأولئك لهم عذاب عظيم }. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينت وأولئك لهم عذاب عظيم } قال هم اليهود والنصارى.
[3.106-107]
يعني بذلك جل ثناؤه: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وأما قوله: { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم } فإن معناه: فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال لهم: { أكفرتم بعد إيمنكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }. ولا بد ل «أما» من جواب بالفاء، فلما أسقط الجواب سقطت الفاء معه، وإنما جاز ترك ذكر «فيقال» لدلالة ما ذكر من الكلام عليه. وأما معنى قوله جل ثناؤه: { أكفرتم بعد إيمنكم } فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عني به، فقال بعضهم: عني به أهل قبلتنا من المسلمين. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }... الآية، لقد كفر أقوام بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:
अज्ञात पृष्ठ