705

فكان في ذلك له صلى الله عليه وسلم من أعظم الحجة عليهم بأنه نبي الله صلى الله عليه وسلم إليهم، لأن ذلك من أخبار أوائلهم كان من خفي علومهم الذي لا يعلمه غير خاصة منهم، إلا من أعلمه الذي لا يخفى عليه خافية من نبي أو رسول، أو من أطلعه الله على علمه ممن شاء من خلقه.

[3.94]

يعني جل ثناؤه بذلك: فمن كذب على الله منا ومنكم من بعد مجيئكم بالتوراة، وتلاوتكم إياها، وعدمكم ما ادعيتم من تحريم الله العروق ولحوم الإبل وألبانها فيها، { فأولئك هم الظلمون } يعني: فمن فعل ذلك منهم { فأولئك } يعني فهؤلاء الذين يفعلون ذلك، { هم الظلمون } يعني فهم الكافرون القائلون على الله الباطل. كما: حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن زكريا، عن الشعبي: { فأولئك هم الظلمون } قال: نزلت في اليهود.

[3.95]

يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد: صدق الله فيما أخبرنا به من قوله: { كل الطعام كان حلا لبنى إسرءيل } وأن الله لم يحرم على إسرائيل ولا على ولده العروق ولا لحوم الإبل وألبانها، وأن ذلك إنما كان شيئا حرمه إسرائيل على نفسه وولده بغير تحريم الله إياه عليهم في التوراة، وفي كل ما أخبر به عباده من خبر دونكم وأنتم يا معشر اليهود الكذبة في إضافتكم تحريم ذلك إلى الله عليكم في التوراة، المفترية على الله الباطل في دعواكم عليه غير الحق { فاتبعوا ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين } يقول: فإن كنتم أيها اليهود محقين في دعواكم أنكم على الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورسله، فاتبعوا ملة إبراهيم خليل الله، فإنكم تعلمون أنه الحق الذي ارتضاه الله من خلقه دينا، وابتعث به أنبياءه، وذلك الحنيفة، يعني الاستقامة على الإسلام وشرائعه، دون اليهودية والنصرانية والمشركة. وقوله: { وما كان من المشركين } يقول: لم يكن يشرك في عبادته أحدا من خلقه، فكذلك أنتم أيضا أيها اليهود، فلا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله، تطيعونهم كطاعة إبراهيم ربه. وأنتم يا معشر عبدة الأوثان، فلا تتخذوا الأوثان والأصنام أربابا، ولا تعبدوا شيئا من دون الله، فإن إبراهيم خليل الرحمن كان دينه إخلاص العبادة لربه وحده، من غير إشراك أحد معه فيه، فكذلك أنتم أيضا، فأخلصوا له العبادة ولا تشركوا معه في العبادة أحدا، فإن جميعكم مقرون بأن إبراهيم كان على حق وهدى مستقيم، فاتبعوا ما قد أجمع جميعكم على تصويبه من ملته الحنيفية، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائل الملل غيرها أيها الأحزاب، فإنها بدع ابتدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صواب وحق من ملة إبراهيم هو الحق الذي ارتضيته وابتعثت به أنبيائي ورسلي ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءني به يوم القيامة. وإنما قال جل ثناؤه: { وما كان من المشركين } يعني به: وما كان من عددهم وأوليائهم، وذلك أن المشركين بعضهم من بعض في التظاهر على كفرهم، ونصرة بعضهم بعضا، فبرأ الله إبراهيم خليله أن يكون منهم أو من نصرائهم وأهل ولايتهم. وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين: اليهود والنصارى، وسائر الأديان غير الحنيفية، قال: لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة، ولكنه كان حنيفا مسلما.

[3.96]

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويله: إن أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين، الذي ببكة. قالوا: وليس هو أول بيت وضع في الأرض، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، قال: قام رجل إلى علي، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا، ولكنه أول بيت وضع في البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت خالد بن عرعرة قال: سمعت عليا، وقيل له: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة } هو أول بيت كان في الأرض؟ قال: لا قال: فأين كان قوم نوح؟ وأين كان قوم هود؟ قال: ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا وهدى. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سأل حفص الحسن وأنا أسمع، عن قوله: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } قال: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض. حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: ثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر في قوله: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة } قال: قد كانت قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للعبادة. حدثني محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عباد، عن الحسن، قوله: { إن أول بيت وضع للناس } يعبد الله فيه { للذى ببكة }. حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } قال: وضع للعبادة. وقال آخرون: بل هو أول بيت وضع للناس. ثم اختلف قائلو ذلك في صفة وضعه أول، فقال بعضهم: خلق قبل جميع الأرضين، ثم دحيت الأرضون من تحته. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو،قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذا كان عرشه على الماء، زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته. حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: سمعت مجاهدا يقول: إن أول ما خلق الله الكعبة، ثم دحى الأرض من تحتها. حدثني محمد بن عمرو: قال ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { إن أول بيت وضع للناس } كقوله:

كنتم خير أمة أخرجت للناس

[آل عمران: 110]. حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعلمين } أما أول بيت، فإنه يوم كانت الأرض ماء، وكان زبدة على الأرض، فلما خلق الله الأرض، خلق البيت معها، فهو أول بيت وضع في الأرض. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } قال: أول بيت وضعه الله عز وجل، فطاف به آدم ومن بعده. وقال آخرون موضع الكعبة، موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط، قال: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمن الطوفان زمن أغرق الله قوم نوح رفعه الله وطهره من أن يصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار معمورا في السماء. ثم إن إبراهيم تتبع منه أثرا بعد ذلك، فبناه على أساس قديم كان قبله. والصواب من القول في ذلك: ما قال جل ثناؤه فيه: إن أول بيت مبارك وهدى وضع للناس، للذي ببكة. ومعنى ذلك: إن أول بيت وضع للناس: أي لعبادة الله فيه مباركا وهدى، يعني: بذلك ومآبا لنسك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيما لله وإجلالا له للذي ببكة لصحة الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما: حدثنا به محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال:

" «المسجد الحرام» قال: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» قال: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» "

अज्ञात पृष्ठ