689

وغودر بالجولان حزم ونائل

يعني مهلكوه . { وما يضلون إلا أنفسهم }: وما يهلكون بما يفعلونه من محاولتهم صدكم عن دينكم أحدا غير أنفسهم، يعني بأنفسهم: أتباعهم وأشياعهم على ملتهم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك لاستيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخطه، واستحقاقهم به غضبه ولعنته، لكفرهم بالله، ونقضهم الميثاق الذي أخذ الله عليهم في كتابهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، والإقرار بنبوته. ثم أخبر جل ثناءه عنهم أنهم يفعلون ما يفعلون، من محاولة صد المؤمنين عن الهدى إلى الضلالة، والردى على جهل منهم، بما الله بهم محل من عقوبته، ومدخر لهم من أليم عذابه، فقال تعالى ذكره: { وما يشعرون } أنهم لا يضلون إلا أنفسهم بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون ومعنى قوله: { وما يشعرون }: وما يدرون ولا يعلمون، وقد بينا تأويل ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فأغنى ذلك عن إعادته.

[3.70]

يعني بذلك جل ثناؤه: { من أهل الكتب } من اليهود والنصارى، { لم تكفرون } يقول: لم تجحدون { بآيات الله } يعني: بما في كتاب الله، الذي أنزله إليكم، على ألسن أنبيائكم من آيه وأدلته، { وأنتم تشهدون } أنه حق من عند ربكم. وإنما هذا من الله عز وجل توبيخ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحودهم نبوته، وهم يجدونه في كتبهم مع شهادتهم أن ما في كتبهم حق، وأنه من عند الله. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يأهل الكتب لم تكفرون بأيت الله وأنتم تشهدون } يقول: تشهدون أن نعت محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه، ولا تؤمنون به وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته. حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { يأهل الكتب لم تكفرون بأيت الله وأنتم تشهدون } يقول: تشهدون أن نعت محمد في كتابكم، ثم تكفرون به ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل النبي الأمي. حدثني محمد، قال: ثنا أحمد ، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يأهل الكتب لم تكفرون بأيت الله وأنتم تشهدون } آيات الله: محمد، وأما تشهدون: فيشهدون أنه الحق يجدونه مكتوبا عندهم. حدثنا القاسم قال، ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: { يأهل الكتب لم تكفرون بأيت الله وأنتم تشهدون } أن الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره.

[3.71]

يعني بذلك جل ثناؤه: يا أهل التوراة والإنجيل، لم تلبسون، يقول: لم تخلطون الحق بالباطل. وكان خلطهم الحق بالباطل: إظهارهم بألسنتهم من التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، غير الذي في قلوبهم من اليهودية والنصرانية. كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعوا عن دينهم. فأنزل الله عز وجل فيهم: { يأهل الكتب لم تلبسون الحق بالبطل }... إلى قوله:

والله وسع عليم

[آل عمران: 73]. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يأهل الكتب لم تلبسون الحق بالبطل } يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام ولا يجزي إلا به. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله، إلا أنه قال: الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام، ولم يقل: ولا يجزي إلا به. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: { يأهل الكتب لم تلبسون الحق بالبطل }: الإسلام باليهودية والنصرانية. وقال آخرون في ذلك بما: حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله عز وجل: { لم تلبسون الحق بالبطل } قال: الحق: التوراة التي أنزل الله على موسى، والباطل: الذي كتبوه بأيديهم. قال أبو جعفر : وقد بينا معنى اللبس فيما مضى بما أغنى عن إعادته. القول في تأويل قوله تعالى: { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون }. يعني بذلك جل ثناؤه: ولم تكتمون يا أهل الكتاب الحق؟ والحق الذي كتموه ما في كتبهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ونبوته. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون }: كتموا شأن محمد، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: { وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } يقول: يكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: { تكتمون الحق }: الإسلام، وأمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأنتم تعلمون أن محمدا رسول الله، وأن الدين الإسلام. وأما قوله: { وأنتم تعلمون } فإنه يعني به: وأنتم تعلمون أن الذي تكتمونه من الحق حق، وأنه من عند الله. وهذا القول من الله عز وجل خبر عن تعمد أهل الكتاب الكفر به، وكتمانهم ما قد علموا من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ووجدوه في كتبهم وجاءتهم به أنبياؤهم.

[3.72]

اختلف أهل التأويل في صفة المعنى الذي أمرت به هذه الطائفة من أمرت به من الإيمان وجه النهار، والكفر آخره، فقال بعضهم: كان ذلك أمرا منهم إياهم بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته، وما جاء به من عند الله وأنه حق، في الظاهر من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك، وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { ءامنوا بالذى أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره } فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم. حدثني المثنى، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا خالد، عن حصين، عن أبي مالك في قوله: { ءامنوا بالذى أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره } قال: قالت اليهود: آمنوا معهم أول النهار، واكفروا آخره، لعلهم يرجعون معكم. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وقالت طائفة من أهل الكتب ءامنوا بالذي أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره لعلهم يرجعون } كان أحبار قرى عربية اثني عشر حبرا، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا نشهد أن محمدا حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدثونا أن محمدا كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أول النهار، فما بالهم؟ فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري، قال: قالت اليهود بعضهم لبعض: أسلموا أول النهار، وارتدوا آخره، لعلهم يرجعون. فأطلع الله على سرهم، فأنزل الله عز وجل: { وقالت طائفة من أهل الكتب ءامنوا بالذى أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره لعلهم يرجعون }. وقال آخرون: بل الذي أمرت به من الإيمان: الصلاة، وحضورها معهم أول النهار، وترك ذلك آخره. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل { ءامنوا بالذى أنزل على لذين ءامنوا وجه النهار } يهود تقوله صلت مع محمد صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار مكرا منهم، ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه.

अज्ञात पृष्ठ