645

.. الآية، قال: هم اليهود دعوا إلى كتاب الله وإلى نبيه، وهم يجدونه مكتوبا عندهم، ثم يتولون وهم معرضون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم } قال: كان أهل الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق يكون وفي الحدود، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام، فيتولون عن ذلك. وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن طائفة من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده، ممن قد أوتي علما بالتوراة أنهم دعوا إلى كتاب الله الذي كانوا يقرون أنه من عند الله وهو في التوراة في بعض ما تنازعوا فيه هم ورسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يجوز أن يكون تنازعهم الذي كانوا تنازعوا فيه ثم دعوا إلى حكم التوراة فيه، فامتنعوا من الإجابة إليه، كان أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوته. ويجوز أن يكون ذلك كان أمر إبراهيم خليل الرحمن ودينه. ويجوز أن يكون ذلك ما دعوا إليه من أمر الإسلام، والإقرار به. ويجوز أن يكون ذلك كان في حد، فإن كل ذلك مما قد كانوا نازعوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم فيه إلى حكم التوراة، فأبى الإجابة فيه، وكتمه بعضهم. ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان ممن أبى، فيجوز أن يقال: هو هذا دون هذا. ولا حاجة بنا إلى معرفة ذلك، لأن المعنى الذي دعوا إليه جملته هو مما كان فرضا عليهم الإجابة إليه في دينهم، فامتنعوا منه. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم بردتهم وتكذيبهم بما في كتابهم وجحودهم، ما قد أخذ عليهم عهودهم ومواثيقهم بإقامته والعمل به، فلن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدا وما جاء به من الحق مثلهم في تكذيبهم موسى وما جاء به، وهم يتولونه ويقرون به. ومعنى قوله: { ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون } ثم يستدبر عن كتاب الله الذي دعا إلى حكمه معرضا عنه منصرفا، وهو بحقيقته وحجته عالم. وإنما قلنا إن ذلك الكتاب هو التوراة، لأنهم كانوا بالقرآن مكذبين وبالتوراة بزعمهم مصدقين، فكانت الحجة عليهم بتكذيبهم بما هم به في زعمهم مقرون أبلغ وللعذر أقطع.

[3.24]

يعني جل ثناؤه بقوله: { بأنهم قالوا } بأن هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق فيما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أبوا الإجابة في حكم التوراة، وما فيها من الحق من أجل قولهم: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } وهي أربعون يوما، وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل، ثم يخرجنا منها ربنا. اغترارا منهم بما كانوا يفترون، يعني بما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأباطيل في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحدا من ولده النار إلا تحلة القسم. فأكذبهم الله على ذلك كله من أقوالهم، وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل النار، هم فيها خالدون، دون المؤمنين بالله ورسله وما جاءوا به من عنده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا. قال الله عز وجل: { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون } أي قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات }... الآية، قال: قالوا: لن نعذب في النار إلا أربعين يوما. قال: يعني اليهود. قال: وقال قتادة مثله، وقال: هي الأيام التي نصبوا فيها العجل. يقول الله عز وجل: { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون } حين قالوا: { نحن أبناء الله وأحباؤه }. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: قوله: { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون } قال: غرهم قولهم: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات }.

[3.25]

يعني بقوله جل ثناؤه: { فكيف إذا جمعناهم } فأي حال يكون حال هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القول، وفعلوا ما فعلوا من إعراضهم عن كتاب الله واغترارهم بربهم، وافترائهم الكذب. وذلك من الله عز وجل وعيد لهم شديد، وتهديد غليظ. وإنما يعني بقوله: { فكيف إذا جمعناهم }... الآية: فما أعظم ما يلقون من عقوبة الله وتنكيله بهم إذا جمعهم ليوم يوفى كل عامل جزاء عمله على قدر استحقاقه غير مظلوم فيه، لأنه لا يعاقب فيه إلا على ما اجترم، ولا يؤاخذ إلا بما عمل، يجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يخاف أحد من خلقه يومئذ ظلما ولا هضما. فإن قال قائل: وكيف قيل: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه } ولم يقل: في يوم لا ريب فيه؟ قيل: لمخالفة معنى اللام في هذا الموضع معنى في، وذلك أنه لو كان مكان اللام «في» لكان معنى الكلام: فكيف إذا جمعناهم في يوم القيامة ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب، وليس ذلك المعنى في دخول اللام، ولكن معناه مع اللام، فكيف إذا جمعناهم لما يحدث في يوم لا ريب فيه، ولما يكون في ذلك اليوم من فصل الله القضاء بين خلقه، ماذا لهم حينئذ من العقاب وأليم العذاب؟ فمع اللام في: { ليوم لا ريب فيه } نية فعل وخبر مطلوب قد ترك ذكره، أجزأت دلالة دخول اللام في اليوم عليه منه، وليس ذلك مع «في» فلذلك اختيرت اللام فأدخلت في «ليوم» دون «في». وأما تأويل قوله: { لا ريب فيه } فإنه لا شك في مجيئه، وقد دللنا على أنه كذلك بالأدلة الكافية، مع ذكر من قال ذلك في تأويله فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وعنى بقوله: { ووفيت } ووفى الله { كل نفس ما كسبت } يعني ما عملت من خير وشر، { وهم لا يظلمون } يعني أنه لا يبخس المحسن جزاء إحسانه، ولا يعاقب مسيئا بغير جرمه.

[3.26]

أما تأويل قوله { قل اللهم } فإنه قل يا محمد: يا الله. واختلف أهل العربية في نصب ميم { اللهم } وهو منادى، وحكم المنادى المفرد غير المضاف الرفع، وفي دخول الميم فيه، وهو في الأصل «الله» بغير ميم. فقال بعضهم: إنما زيدت فيه الميمان لأنه لا ينادى ب«يا» كما ينادى الأسماء التي لا ألف فيها، وذلك أن الأسماء التي لا ألف ولا لام فيها تنادى ب«يا»، كقول القائل: يا زيد ويا عمرو، قال: فجعلت الميم فيه خلفا من «يا»، كما قالوا: فم ودم وهم وزرقم وستهم، وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التي يحذف منها الحرف، ثم يبدل مكانه ميم، قال: فكذلك حذفت من اللهم «يا» التي ينادى بها الأسماء التي على ما وصفنا، وجعلت الميم خلفا منها في آخر الاسم. وأنكر ذلك من قولهم آخرون، وقالوا: قد سمعنا العرب تنادي: اللهم ب«يا»، كما تناديه، ولا ميم فيه. قالوا: فلو كان الذي قال هذا القول مصيبا في دعواه لم تدخل العرب «يا»، وقد جاءوا بالخلف منها. وأنشدوا في ذلك سماعا من العرب:

وما عليك أن تقولي كلما

صليت أو كبرت يا اللهم

اردد إلينا شيخنا مسلما

अज्ञात पृष्ठ