638

مثل ابن بزعة أو كآخر مثله

أولى لك ابن مسيمة الأجمال

يعني بذلك راعية الأجمال، فإذا أريد أن الماشية هي التي رعت، قيل: سامت الماشية تسوم سوما، ولذلك قيل: إبل سائمة، بمعنى راعية، غير أنه مستفيض في كلامهم سومت الماشية، بمعنى أرعيتها، وإنما يقال إذا أريد ذلك: أسمتها. فإذا كان ذلك كذلك، فتوجيه تأويل المسومة إلى أنها المعلمة بما وصفنا من المعاني التي تقدم ذكرها أصح. وأما الذي قاله ابن زيد من أنها المعدة في سبيل الله، فتأويل من معنى المسومة بمعزل. القول في تأويل قوله تعالى: { والأنعام والحرث }. فالأنعام جمع نعم: وهي الأزواج الثمانية التي ذكرها في كتابه من الضأن والمعز والبقر والإبل. وأما الحرث: فهو الزرع. وتأويل الكلام: زين للناس حب الشهوات من النساء ومن البنين، ومن كذا ومن كذا، ومن الأنعام والحرث. القول في تأويل قوله تعالى: { ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب }. يعني بقوله جل ثناؤه: ذلك جميع ما ذكر في هذه الآية من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام والحرث، فكنى بقوله «ذلك» عن جميعهن، وهذا يدل على أن «ذلك» يشتمل على الأشياء الكثيرة المختلفة المعاني، ويكنى به عن جميع ذلك. وأما قوله: { متاع الحياة الدنيا } فإنه خبر من الله عن أن ذلك كله مما يستمتع به في الدنيا أهلها أحياء، فيتبلغون به فيها، ويجعلونه وصلة في معايشهم، وسببا لقضاء شهواتهم، التي زين لهم حبها، في عاجل دنياهم ، دون أن يكون عدة لمعادهم، وقربة لهم إلى ربهم، إلا ما أسلك في سبيله، وأنفق منه فيما أمر به. وأما قوله: { والله عنده حسن المآب } فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وعند الله حسن المآب، يعني حسن المرجع.

كما: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { والله عنده حسن المآب } يقول: حسن المنقلب، وهي الجنة. وهو مصدر على مثال مفعل، من قول القائل: آب الرجل إلينا: إذا رجع، فهو يؤوب إيابا وأوبة وأيبة ومآبا، غير أن موضع الفاء منها مهموز، والعين مبدلة من الواو إلى الألف بحركتها إلى الفتح، فلما كان حظها الحركة إلى الفتح، وكانت حركتها منقولة إلى الحرف الذي قبلها وهو فاء الفعل انقلبت فصارت ألفا، كما قيل: قال: فصارت عين الفعل ألفا، لأن حظها الفتح والمآب، مثل المقال والمعاد والمحال، كل ذلك مفعل، منقولة حركة عينه إلى فائه، فتصير واوه أو ياؤه ألفا لفتحة ما قبلها. فإن قال قائل: وكيف قيل: { والله عنده حسن المآب } وقد علمت ما عنده يومئذ من أليم العذاب وشديد العقاب؟ قيل: إن ذلك معني به خاص من الناس، ومعنى ذلك: والله عنده حسن المآب للذين اتقوا ربهم، وقد أنبأنا عن ذلك في هذه الآية التي تليها. فإن قال: وما حسن المآب؟ قيل: هو ما وصفه به جل ثناؤه، وهو المرجع إلى جنات تجري من تحتها الأنهار مخلدا فيها، وإلى أزواج مطهرة ورضوان من الله.

[3.15]

يعني جل ثناؤه: قل يا محمد للناس الذين زين لهم حب الشهوات، من النساء والبنين، وسائر ما ذكر جل ثناؤه: { أؤنبئكم } أأخبركم وأعلمكم { بخير من ذلكم } يعني بخير وأفضل لكم. { من ذلكم } يعني مما زين لكم في الدنيا حب شهوته من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وأنواع الأموال التي هي متاع الدنيا. ثم اختلف أهل العربية في الموضع الذي تناهى إليه الاستفهام من هذا الكلام، فقال بعضهم: تناهى ذلك عند قوله: { من ذلكم } ثم ابتدأ الخبر عما { للذين اتقوا عند ربهم } فقيل: للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فلذلك رفع «الجنات». ومن قال هذا القول، لم يجز في قوله: { جنات تجري من تحتها الأنهار } إلا الرفع، وذلك أنه خبر مبتدأ غير مردود على قوله بخير، فيكون الخفض فيه جائزا. وهو وإن كان خبرا مبتدأ عندهم، ففيه إبانة عن معنى الخير الذي أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس أؤنبئكم به؟ والجنات على هذا القول مرفوعة باللام التي في قوله: { للذين اتقوا عند ربهم }. وقال آخرون منهم بنحو من هذا القول، إلا أنهم قالوا: إن جعلت اللام التي في قوله «للذين» من صلة الإنباء جاز في الجنات الخفض والرفع: الخفض على الرد على «الخير»، والرفع على أن يكون قوله: { للذين اتقوا } خبر مبتدأ على ما قد بيناه قبل. وقال آخرون: بل منتهى الاستفهام قوله: { عند ربهم } ثم ابتدأ: { جنات تجري من تحتها الأنهار } وقالوا: تأويل الكلام: قل أؤنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا عند ربهم، ثم كأنه قيل: ماذا لهم، أو ما ذاك؟ أو على أنه يقال: ماذا لهم أو ما ذاك؟ فقال: هو جنات تجري من تحتها الأنهار... الآية. وأولي هذه الأقوال عندي بالصواب قول من جعل الاستفهام متناهيا عند قوله: { بخير من ذلكم } والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله: { للذين اتقوا عند ربهن جنات } فيكون مخرج ذلك مخرج الخبر، وهو إبانة عن معنى الخير الذي قال: أنبئكم به؟ فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: وأما قوله: { خالدين فيها } فمنصوب على القطع ومعنى قوله: { للذين اتقوا } للذين خافوا الله فأطاعوه، بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. { عند ربهم } يعني بذلك: لهم جنات تجري من تحتها الأنهار عند ربهم، والجنات: البساتين، وقد بينا ذلك بالشواهد فيما مضى، وأن قوله: { تجري من تحتها الأنهار } يعني به: من تحت الأشجار، وأن الخلود فيها دوام البقاء فيها، وأن الأزواج المطهرة: هن نساء الجنة اللواتي طهرن من كل أذى يكون بنساء أهل الدنيا من الحيض والمني والبول والنفاس وما أشبه ذلك من الأذى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: { ورضوان من الله } يعني: ورضا الله، وهو مصدر من قول القائل: رضي الله عن فلان، فهو يرضى عنه رضا منقوص، ورضوانا ورضوانا ومرضاة. فأما الرضوان بضم الراء فهو لغة قيس، وبه كان عاصم يقرأ. وإنما ذكر الله جل ثناؤه فيما ذكر للذين اتقوا عنده من الخير: رضوانه، لأن رضوانه أعلى منازل كرامة أهل الجنة. كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثني أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تبارك وتعالى: أعطيكم أفضل من هذا! فيقولون: أي ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ قال: رضواني. وقوله: { والله بصير بالعباد } يعني بذلك، والله ذو بصر بالذي يتقيه من عباده، فيخافه فيطيعه، ويؤثر ما عنده مما ذكر أنه أعده للذين اتقوه على حب ما زين له في عاجل الدنيا من شهوات النساء والبنين وسائر ما عدد منها تعالى ذكره، وبالذي لا يتقيه فيخافه، ولكنه يعصيه، ويطيع الشيطان، ويؤثر ما زين له في الدنيا من حب شهوة النساء والبنين والأموال، على ما عنده من النعيم المقيم، عالم تعالى ذكره بكل فريق منهم، حتى يجازي كلهم عند معادهم إليه جزاءهم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

[3.16]

ومعنى ذلك: قل هل أنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا يقولون ربنا آمنا، فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار. وقد يحتمل «الذين يقولون» وجهين من الإعراب: الخفض على الرد على «الذين» الأولى، والرفع على الإبتداء، إذ كان في مبتدأ آية أخرى غير التي فيها «الذين» الأولى، فيكون رفعها نظير قول الله عز وجل:

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم

अज्ञात पृष्ठ