जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
حدثنا عمرو بن علي الباهلي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني ابن جريج، عن عطاء في قوله: { لا تضار والدة بولدها } قال: لا تدعنه ورضاعه من شأنها مضارة لأبيه، ولا يمنعها الذي عنده مضارة لها. وقال بعضهم: الوالدة التي نهى الرجل عن مضارتها: ظئر الصبي. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحوي، قال: ثنا الزبير بن الحارث عن عكرمة في قوله: { لا تضار والدة بولدها } قال: هي الظئر. فمعنى الكلام: لا يضارر والد مولود والدته بمولوده منها، ولا والدة مولود والده بمولودها منه، ثم ترك ذكر الفاعل في يضار، فقيل: لا تضار والدة بولدها، ولا مولود له بولده، كما يقال إذا نهي عن إكرام رجل بعينه فيما لم يسم فاعله ولم يقصد بالنهي عن إكرامه قصد شخص بعينه: لا يكرم عمرو ولا يجلس إلى أخيه، ثم ترك التضعيف فقيل: لا يضار، فحركت الراء الثانية التي كانت مجزومة لو أظهر التضعيف بحركة الراء الأولى. وقد زعم بعض أهل العربية أنها إنما حركت إلى الفتح في هذا الموضع لأنه أحد الحركات. وليس للذي قال من ذلك معنى، لأن ذلك إنما كان جائزا أن يكون كذلك لو كان معنى الكلام: لا تضارون والدة بولدها، وكان المنهي عن الضرار هي الوالدة. على أن معنى الكلام لو كان كذلك لكان الكسر في تضار أفصح من الفتح، والقراءة به كانت أصوب من القراءة بالفتح، كما أن مد بالثوب أفصح من مد به. وفي إجماع القراء على قراءة: لا تضار بالفتح دون الكسر دليل واضح على إغفال من حكيت قوله من أهل العربية في ذلك. فإن قال قائل ذلك قاله توهما منه أنه معنى ذلك: لا تضارر والدة، وأن الوالدة مرفوعة بفعلها، وأن الراء الأولى حظها الكسر فقد أغفل تأويل الكلام، وخالف قول جميع من حكينا قول من أهل التأويل. وذلك أن الله تعالى ذكره تقدم إلى كل واحد من أبوي المولود بالنهي عن ضرار صاحبه بمولودها، لا أنه نهى كل واحد منهما عن أن يضار المولود، وكيف يجوز أن ينهاه عن مضارة الصبي ، والصبي في حال ما هو رضيع غير جائز أن يكون منه ضرار لأحد، فلو كان ذلك معناه، لكل التنزيل: لا تضر والدة بولدها. وقد زعم آخرون من أهل العربية أن الكسر في «تضار» جائز، والكسر في ذلك عندي غير جائز في هذا الموضع، لأنه إذا كسر تغير معناه عن معنى «لا تضار» الذي هو في مذهب ما لم يسم فاعله، إلى معنى «لا تضار» الذي هو في مذهب ما قد سمي فاعله.
فإذا كان الله تعالى ذكره قد نهى كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه بسبب ولدهما، فحق على إمام المسلمين إذا أراد الرجل نزع ولده من أمه بعد بينونتها منه، وهي تحضنه وتكلفه وترضعه بما يحضنه به غيرها ويكلفه به ويرضعه من الأجرة، أن يأخذ الوالد بتسليم ولدها ما دام محتاجا الصبي إليها في ذلك بالأجرة التي يعطاها غيرها. وحق عليه إذا كان الصبي لا يقبل ثدي غير والدته، أو كان المولود له لا يجد من يرضع ولده، وإن كان يقبل ثدي غير أمه، أو كان معدما لا يجد ما يستأجر به مرضعا ولا يجد ما يتبرع عليه برضاع مولوده، أن يأخذ والدته البائنة من والده برضاعه وحضانته لأن الله تعالى ذكره حرم على كل واحد من أبويه ضرار صاحبه بسببه، فالإضرار به أحرى أن يكون محرما مع ما في الإضرار به من مضارة صاحبه. القول في تأويل قوله تعالى: { وعلى الوارث مثل ذلك }. اختلف أهل التأويل في الوارث الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } وأي وارث هو؟ ووارث من هو؟ فقال بعضهم: هو وارث الصبي وقالوا: معنى الآية: وعلى وارث الصبي إذا كان [أبوه] ميتا الذي كان على أبيه في حياته. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قالا: ثنا سعيد، عن قتادة: { وعلى الوارث مثل ذلك } على وارث الولد. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وعلى الوارث مثل ذلك } على وارث الولد. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: وعلى وارث الصبي مثل ما على أبيه. ثم اختلف قائلو هذه المقالة في وارث المولود الذي ألزمه الله تعالى مثل الذي وصف، فقال بعضهم: هم وارث الصبي من قبل أبيه من عصبته كائنا من كان أخا كان أو عما أو ابن عم أو ابن أخ. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره أن سعيد بن المسيب أخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه [قال في قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال] حبس بني عم على منفوس كلالة بالنفقة عليه مثل العاقلة. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أن الحسن كان يقول: { وعلى الوارث مثل ذلك } على العصبة. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس وأبو عاصم، قالا: ثنا ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب قال: وقف عمر ابن عم على منفوس كلالة برضاعه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن يونس أن الحسن كان يقول: إذا توفي الرجل وامرأته حامل، فنفقتها من نصيبها، ونفقة ولدها من نصيبه من ماله إن كان له، فإن لم يكن له مال فنفقته على عصبته. قال: وكان يتأول قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } على الرجال. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: على العصبة الرجال دون النساء. حدثنا أبو كريب وعمرو بن علي قالا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا هشام عن ابن سيرين أنه أتى عبد الله بن عتبة مع اليتيم وليه، ومع اليتيم من يتكلم في نفقته، فقال لولي اليتيم: لو لم يكن له مال لقضيت عليك بنفقته، لأن الله تعالى يقول: { وعلى الوارث مثل ذلك }. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: أتى عبد الله بن عتبة في رضاع صبي، فجعل رضاعه في ماله، وقال لوليه: لو لم يكن له مال جعلنا رضاعه في مالك، ألا تراه يقول: { وعلى الوارث مثل ذلك }؟ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: على الوارث ما على الأب إذا لم يكن للصبي مال، وإذا كان له ابن عم أو عصبة ترثه فعليه النفقة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: الولي من كان. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بشر ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا عبد الله بن محمد الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا يعقوب، يعني ابن القاسم، عن عطاء وقتادة في يتيم ليس له شيء: أتجبر أولياؤه على نفقته؟ قالا: نعم، ينفق عليه حتى يدرك. حدثت عن يعلى بن عبيد، عن جويبر، عن الضحاك قال: إن مات أبو الصبي وللصبي مال أخذ رضاعه من المال، وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة، فإن لم يكن للعصبة مال أجبرت عليه أمه. وقال آخرون منهم: بل ذلك على وارث المولود من كان من الرجال والنساء. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أنه كان يقول: { وعلى الوارث مثل ذلك } على وارث المولود ما كان على الوالد من أجر الرضاع إذا كان الولد لا مال له على الرجال والنساء على قدر ما يرثون.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغرم ثلاثة كلهم يرث الصبي أجر رضاعه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن عبد الله بن عتبة جعل نفقة صبي من ماله، وقال لوارثه: أما إنه لو لم يكن له مال أخذناك بنفقته، ألا ترى أنه يقول: { وعلى الوارث مثل ذلك }؟. وقال آخرون منهم: هو من ورثته من كان منهم ذا رحم محرم للمولود، فأما من كان ذا رحم منه وليس بمحرم كابن العم والمولى ومن أشبههما فليس من عناه الله بقوله: { وعلى الوارث مثل ذلك }. والذين قالوا هذه المقالة: أبو حنيفة، وأبو يوسف، محمد. وقالت فرقة أخرى: بل الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } المولود نفسه. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: ثنا أبو زرعة وعبد الله بن راشد، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: أخبرنا جعفر بن ربيعة أن بشر بن نصر المزني وكان قاضيا قيل ابن حجيرة في زمان عبد العزيز كان يقول: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: الوارث: هو الصبي. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد الله بن يزيد المقرى، قال: أخبرنا حيوة: قال: أخبرنا جعفر بن ربيعة، عن قبيصة بن ذؤيب: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: هو الصبي. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، قال: أخبرني جعفر بن ربيعة، أن قبيصة بن ذؤيب كان يقول: الوارث: هو الصبي، يعني قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك }. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: يعني بالوارث: الولد الذي يرضع. قال أبو جعفر: وتأويل ذلك على ما تأوله هؤلاء: وعلى الوارث المولود مثل ما كان على المولود له. وقال آخرون: بل هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر منهما. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول في صبي له عم وأم وهي ترضعه، قال: يكون رضاعه بينهما، ويرفع عن العم بقدر ما ترث الأم، لأن الأم تجبر على النفقة على ولدها. القول في تأويل قوله تعالى: { مثل ذلك } اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { مثل ذلك } فقال بعضهم: تأويله: وعلى الوارث للصبي بعد وفاة أبويه مثل الذي كان على والده من أجر رضاعه ونفقته إذا لم يكن للمولود مال.
ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: على الوارث رضاع الصبي. حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: أجر الرضاع. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: الرضاع. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: أجر الرضاع. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن عتبة: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: الرضاع. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد، عن عبد الله بن عتبة في قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: النفقة بالمعروف. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: على الوارث ما على الأب من الرضاع إذا لم يكن للصبي مال. حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: الرضاع والنفقة. حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: الرضاع. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، قال: الرضاع. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا أبو عوانة عن مطرف، عن الشعبي: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: أجر الرضاع. حدثنا عمرو، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن إبراهيم، والشعبي مثله. حدثنا أبو كريب وعمرو بن علي، قالا: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال سمعت هشاما عن الحسن في قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: الرضاع. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن هشام وأشعث، عن الحسن، مثله. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن يونس، عن الحسن: { وعلى الوارث مثل ذلك } يقول: في النفقة على الوارث إذا لم يكن له مال. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد مثله. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: النفقة بالمعروف.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وعلى الوارث مثل ذلك } على الولي كفله ورضاعه إن لم يكن للمولود مال. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: وعلى الوارث من كان مثل ما وصف من الرضاع. قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير عن مجاهد مثل ذلك في الرضاعة، قال: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: وعلى الوارث أيضا كفله ورضاعه إن لم يكن له مال، وأن لا يضار أمه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني الحجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: نفقته حتى يفطم إن كان أبوه لم يترك له مالا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: وعلى { الوارث مثل ذلك } قال: وعلى وارث الولد ما كان على الولد من أجر الرضاع إذا كان الولد لا مال له. حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: على وارث الصبي مثل ما على أبيه، إذا كان قد هلك أبوه ولم يكن له مال، فإن على الوارث أجر الرضاع. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: إذا مات وليس له مال كان على الوارث رضاع الصبي. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: وعلى الوارث مثل ذلك أن لا يضار. ذكر من قال ذلك: حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن الضحاك بن مزاحم: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: أن لا يضار. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم الأحول، عن الشعبي في قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: لا يضار، ولا غرم عليه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد في قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } أن لا يضار. حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثني عقيل، عن ابن شهاب: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين } قال: الوالدات أحق برضاع أولادهن ما قبلن رضاعهن بما يعطى غيرهن من الأجر. وليس لوالدة أن تضار بولدها فتأبى رضاعه مضارة، وهي تعطى عليه ما يعطى غيرها. وليس للمولود له أن ينزع ولده من والدته ضرارا لها، وهي تقبل من الأجر ما يعطى غيرها { وعلى الوارث مثل ذلك } مثل الذي على الوالد في ذلك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثنا علي، قال: ثنا زيد، عن سفيان: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: أن لا يضار وعليه مثل ما على الأب من النفقة والكسوة.
وقال آخرون: بل تأويل ذلك: وعلى الوارث المولود مثل الذي كان على المولود له من رزق والدته وكسوتها بالمعروف. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك ، عن جويبر، عن الضحاك: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: على الوارث عند الموت، مثل ما على الأب للمرضع من النفقة والكسوة، قال: ويعني بالوارث: الولد الذي يرضع أن يؤخذ من ماله إن كان له مال أجر ما أرضعته أمه، فإن لم يكن للمولود مال ولا لعصبته فليس لأمه أجر، وتجبر على أن ترضع ولدها بغير أجر. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: على وارث الولد مثل ما على الوالد من النفقة والكسوة. وقال آخرون: معنى ذلك: وعلى الوارث مثل ما ذكره الله تعالى ذكره. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: قوله تعالى ذكره: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال: مثل ما ذكره الله تعالى ذكره. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } أن يكون المعنى بالوارث ما قاله قبيصة بن ذؤيب والضحاك بن مزاحم ومن ذكرنا قوله آنفا من أنه معني بالوارث المولود، وفي قوله: { مثل ذلك } أن يكون معنيا به مثل الذي كان على والده من رزق والدته وكسوتها بالمعروف إن كانت من أهل الحاجة، وهي ذات زمانة وعاهة، ومن لا احتراف فيها ولا زوج لها تستغني به، وإن كانت من أهل الغنى والصحة فمثل الذي كان على والده لها من أجر رضاعة. وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب مما عداه من سائر التأويلات التي ذكرنا، لأنه غير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله تعالى ذكره قول إلا بحجة واضحة على ما قد بينا في أول كتابنا هذا وإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } محتملا ظاهره: وعلى الوارث الصبي المولود مثل الذي كان على المولود له، ومحتملا.وعلى وارث المولود له مثل الذي كان عليه في حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة المولود، وغير ذلك من التأويلات على نحو ما قد قدمنا ذكره، وكان الجميع من الحجة قد أجمعوا على أن من ورثة المولود من لا شيء عليه من نفقته وأجر رضاعه، وصح بذلك من الدلالة على أن سائر ورثته غير آبائه وأمهاته وأجداده وجداته من قبل أبيه أو أمه في حكمه، في أنهم لا يلزمهم له نفقة ولا أجر رضاع، إذ كان مولى النعمة من ورثته، وهو ممن لا يلزمه له نفقة ولا أجر رضاع فوجب بإجماعهم على ذلك أن حكم سائر ورثته غير من استثني حكمه وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا من أنه معني به ورثة المولود، فبطول القول الآخر وهو أنه معني به ورثة المولود له سوى المولود أحرى، لأن الذي هو أقرب بالمولود قرابة ممن هو أبعد منه إذا لم يصح وجوب نفقته وأجر رضاعه عليه، فالذي هو أبعد منه قرابة أحرى أن لا يصح وجوب ذلك عليه.
وأما الذي قلنا من وجوب رزق الوالدة وكسوتها بالمعروف على ولدها إذا كانت الوالدة بالصفة التي وصفنا على مثل الذي كان يجب لها من ذلك على المولود له، فما لا خلاف فيه من أهل العلم جميعا، فصح ما قلنا في الآية من التأويل بالنقل المستفيض وراثة عمن لا يجوز خلافه، وما عدا ذلك من التأويلات فمتنازع فيه، وقد دللنا على فساده. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما }. يعني تعالى ذكره بقوله: { فإن أرادا } إن أراد والد المولود ووالدته فصالا، يعني فصال ولدهما من اللبن. ويعني بالفصال: الفطام، وهو مصدر من قول القائل: فاصلت فلانا أفاصله مفاصلة وفصالا: إذا فارقه من خلطة كانت بينهما، فكذلك فصال الفطيم، إنما هو منعه اللبن وقطعه شربه، وفراقه ثدي أمه إلا الاغتذاء بالأقوات التي يغتذي بها البالغ من الرجال. وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قوله: { فإن أرادا فصالا } يقول إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين. حدثني المثنى، قال : ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فإن أرادا فصالا } فإن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما } قال: الفطام. وأما قوله: { عن تراض منهما وتشاور } فإنه يعني بذلك: عن تراض من والدي المولود وتشاور منهما. ثم اختلف أهل التأويل في الوقت الذي أسقط الله الجناح عنها إن فطماه عن تراض منهما وتشاور، وأي الأوقات الذي عناه الله تعالى ذكره بقوله: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } فقال بعضهم: عنى بذلك: فإن أرادا فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور، فلا جناح عليهما. ذكر من قال ذلك: حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } يقول: إذا أرادا أن يفطماه قبل الحولين فتراضيا بذلك، فليفطماه. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: إذا أرادت الوالدة أن تفصل ولدها قبل الحولين، فكان ذلك عن تراض منهما وتشاور، فلا بأس به.
حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } قال: التشاور فيما دون الحولين ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: التشاور: ما دون الحولين، فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور دون الحولين، فلا جناح عليهما، فإن لم يجتمعا فليس لها أن تفطمه دون الحولين. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: التشاور: ما دون الحولين، ليس لها حتى يجتمعا. حدثني المثنى،، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني الليث، قال: أخبرنا عقيل، عن ابن شهاب: { فإن أرادا فصالا } يفصلان ولدهما، { عن تراض منهما وتشاور } دون الحولين الكاملين، { فلا جناح عليهما }. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران ، وحدثني علي، قال: ثنا زيد جميعا، عن سفيان، قال: التشاور ما دون الحولين إذا اصطلحا دون ذلك، وذلك قوله: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور }. فإن قالت المرأة: أنا أفطمه قبل الحولين، وقال الأب لا، فليس لها أن تفطمه قبل الحولين. وإن لم ترض الأم فليس له ذلك حتى يجتمعا فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه، وإذا اختلفا لم يفطماه قبل الحولين، وذلك قوله: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما }. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } قال: قبل السنتين، { فلا جناح عليهما }. وقال آخرون: معنى ذلك: فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور، فلا جناح عليهما في أي وقت أرادا ذلك، قبل الحولين أراد ذلك أم بعد الحولين. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } أن يفطماه قبل الحولين وبعده. وأما قوله: { عن تراض منهما وتشاور } فإنه يعني: عن تراض منهما وتشاور فيما فيه مصلحة المولود لفطمه. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور } قال: غير مسيئين في ظلم أنفسهما ولا إلى صبيهما، { فلا جناح عليهما }. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وأولى التأويلين بالصواب، تأويل من قال: فإن أراد فصالا في الحولين عن تراض منهما وتشاور، لأن تمام الحولين غاية لتمام الرضاع وانقضائه، ولا تشاور بعد انقضائه وإنما التشاور والتراضي قبل انقضاء نهايته.
فإن ظن ذو غفلة أن للتشاور بعد انقضاء الحولين معنى صحيحا، إذا كان من الصبيان من تكون به علة يحتاج من أجلها إلى تركه والاغتذاء بلبن أمه، فإن ذلك إذا كان كذلك، فإنما هو علاج كالعلاج بشرب بعض الأدوية لا رضاع. فأما الرضاع الذي يكون في الفصال منه قبل انقضاء آخره تراض وتشاور من والدي الطفل الذي أسقط الله تعالى ذكره لفطمهما إياه الجناح عنهما قبل انقضاء آخر مدته، فإنما الحد الذي حده الله تعالى ذكره بقوله: { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } على ما قد أتينا على البيان عنه فيما مضى قبل. وأما الجناح: فالحرج. كما: حدثني به المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فلا جناح عليهما } فلا حرج عليهما. القول في تأويل قوله تعالى: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف }. يعني تعالى ذكره بذلك: وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم أن يرضعنهم بالذي يرضعنهم به غيرهن من الأجر، أو من خيفة ضيعة منكم على أولادكم بانقطاع ألبان أمهاتهم أو غير ذلك من الأسباب، فلا حرج عليكم في استرضاعهن إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } خيفة الضيعة على الصبي فلا جناح عليكم. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا أبو بشر ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } إن قالت المرأة: لا طاقة لي به فقد ذهب لبني، فتسترضع له أخرى. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، قال: ليس للمرأة أن تترك ولدها بعد أن يصطلحا على أن ترضع، ويسلمان ويجبران على ذلك. قال: فإن تعاسروا عند طلاق أو موت في الرضاع فإنه يعرض على الصبي المراضع، فإن قبل مرضعا صار ذلك وأرضعته، وإن لم يقبل مرضعا فعلى أمه أن ترضعه بالأجر إن كان له مال أو لعصبته، فإن لم يكن له مال ولا لعصبته أكرهت على رضاعه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، وحدثني علي، قال: ثنا زيد جميعا، عن سفيان: { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم } إذا أبت الأم أن ترضعه فلا جناح على الأب أن يسترضع له غيرها.
अज्ञात पृष्ठ