जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
" لاحتى يذوق عسيلتها "
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن رزين، عن ابن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن رجل طلق امرأته، فتزوجت بعده، ثم طلقها أو مات عنها، أيتزوجها الأول؟ قال:
" لا حتى تذوق عسيلته "
القول في تأويل قوله تعالى: { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله }. يعني تعالى ذكره بقوله: فإن طلقها فإن طلق المرأة التي بانت من زوجها بآخر التطليقات الثلاث بعد ما نكحها مطلقها الثاني، زوجها الذي نكحها بعد بينونتها من الأول { فلا جناح عليهما } يقول تعالى ذكره: فلا حرج على المرأة التي طلقها هذا الثاني من بعد بينونتها من الأول، وبعد نكاحه إياها، وعلى الزوج الأول الذي كانت حرمت عليه ببينونتها منه بآخر التطليقات أن يتراجعا بنكاح جديد. كما: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } يقول: إذا تزوجت بعد الأول، فدخل الآخر بها، فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها، فقد حلت له. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشام، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: إذا طلق واحدة أو ثنتين، فله الرجعة ما لم تنقض العدة. قال: والثالثة قوله: { فإن طلقها } يعني الثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره، فيدخل بها، فإن طلقها هذا الأخير بعد ما يدخل بها، فلا جناح عليهما أن يتراجعا يعني الأول إن ظنا أن يقيما حدود الله. وأما قوله: { إن ظنا أن يقيما حدود الله } فإن معناه: إن رجوا مطمعا أن يقيما حدود الله. وإقامتهما حدود الله: العمل بها، وحدود الله: ما أمرهما به، وأوجب لكل واحد منهما على صاحبه، وألزم كل واحد منهما بسبب النكاح الذي يكون بينهما. وقد بينا معنى الحدود ومعنى إقامة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وكان مجاهد يقول في تأويل قوله: { إن ظنا أن يقيما حدود الله } ما: حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { إن ظنا أن يقيما حدود الله } إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. وقد وجه بعض أهل التأويل قوله { إن ظنا } إلى أنه بمعنى: إن أيقنا. وذلك ما لا وجه له، لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله تعالى ذكره. فإذ كان ذلك كذلك، فما المعنى الذي به يوقن الرجل والمرأة أنهما إذا تراجعا أقاما حدود الله؟ ولكن معنى ذلك كما قال تعالى ذكره: { إن ظنا } بمعنى طمعا بذلك ورجوله «وأن» التي في قوله أن يقيما في موضع نصب ب«ظنا»، و«أن» التي في أن يتراجعا جعلها بعض أهل العربية في موضع نصب بفقد الخافض، لأن معنى الكلام: فلا جناح عليهما في أن يتراجعا، فلما حذفت «في» التي كانت تخفضها نصبها، فكأنه قال: فلا جناح عليهما تراجعهما. وكان بعضهم يقول: موضعه خفض، وإن لم يكن معها خافضها، وإن كان محذوفا فمعروف موضعه. القول في تأويل قوله تعالى: { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون }. يعني تعالى ذكره بقوله: { وتلك حدود الله } هذه الأمور التي بينها لعباده في الطلاق والرجعة والفدية والعدة والإيلاء وغير ذلك مما يبينه لهم في هذه الآيات، حدود الله معالم فصول حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته، { يبينها }: يفصلها، فيميز بينها، ويعرفهم أحكامها لقوم يعلمونها إذا بينها الله لهم، فيعرفون أنها من عند الله، فيصدقون بها، ويعملون بما أودعهم الله من علمه، دون الذين قد طبع الله على قلوبهم، وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون بأنها من عند الله، فهم يجهلون أنها من الله، وأنها تنزيل من حكيم حميد. ولذلك خص القوم الذي يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون، إذ كان الذين يجهلون أنها من عنده قد آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تصديق كثير منهم بها، وإن كان بينها لهم من وجه الحجة عليهم ولزوم العمل لهم بها، وإنما أخرجها من أن تكون بيانا لهم من وجه تركهم الإقرار والتصديق به.
[2.231]
يعني تعالى ذكره بذلك: وإذا طلقتم أيها الرجال نساءكم فبلغن أجلهن، يعني ميقاتهن الذي وقته لهن من انقضاء الأقراء الثلاثة إن كانت من أهل الأقراء وانقضاء الأشهر، إن كانت من أهل الشهور، { فأمسكوهن } يقول: فراجعوهن إن أردتم رجعتهن في الطلقة التي فيها رجعة، وذلك إما في التطليقة الواحدة أو التطليقتين كما قال تعالى ذكره:
الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن
[البقرة: 229]. وأما قوله: { بمعروف } فإنه عنى بما أذن به من الرجعة من الإشهاد على الرجعة قبل انقضاء العدة دون الرجعة بالوطء والجماع، لأن ذلك إنما يجوز للرجل بعد الرجعة، وعلى الصحبة مع ذلك والعشرة بما أمر الله به وبينه لكم أيها الناس. { أو سرحوهن بمعروف } يقول: أو خلوهن يقضين تمام عدتهن وينقضي بقية أجلهن الذي أجلته لهن لعددهن بمعروف، يقول: بإيفائهن تمام حقوقهن عليكم على ما ألزمتكم لهن من مهر ومتعة ونفقة وغير ذلك من حقوقهن قبلكم. { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } يقول: ولا تراجعوهن إن راجعتموهن في عددهن مضارة لهن لتطولوا عليهن مدة انقضاء عددهن، أو لتأخذوا منهن بعض ما آتيتموهن بطلبهن الخلع منكم لمضارتكم إياهن بإمساككم إياهن، ومراجعتكموهن ضرارا واعتداء. وقوله: { لتعتدوا } يقول: لتظلموهن بمجاوزتكم في أمرهن حدودي التي بينتها لكم. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: { ولا تمسكوهن ضرارا } قال: يطلقها حتى إذا كادت تنقضي راجعها، ثم يطلقها، فيدعها، حتى إذا كادت تنقضي عدتها راجعها، ولا يريد إمساكها، فذلك الذي يضار ويتخذ آيات الله هزوا. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سئل الحسن عن قوله تعالى: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } قال: كان الرجل يطلق المرأة، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ثم يراجعها يضارها فنهاهم الله عن ذلك. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف } قال نهى الله عن الضرار ضرارا أن يطلق الرجل امرأته، ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأجل حتى يفي لها تسعة أشهر ليضارها به. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: نهى عن الضرار، والضرار في الطلاق: أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها. وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو. حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها، يفعل ذلك يضارها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } قال: كان الرجل يطلق امرأته تطليقة واحدة ثم يدعها، حتى إذا ما تكاد تخلو عدتها راجعها، ثم يطلقها، حتى إذا ما كاد تخلو عدتها راجعها، ولا حاجة له فيها، إنما يريد أن يضارها بذلك، فنهى الله عن ذلك وتقدم فيه، وقال: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه }. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: قال الله تعالى ذكره: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } فإذا طلق الرجل المرأة وبلغت أجلها فليراجعها بمعروف أو ليسرحها بإحسان، ولا يحل له أن يراجعها ضرارا، وليست له فيها رغبة إلا أن يضارها. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } قال: هو في الرجل يحلف بطلاق امرأته، فإذا بقي من عدتها شيء راجعها يضارها بذلك، ويطول عليها فنهاهم الله عن ذلك. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك بن أنس، عن ثور بن زيد الديلي: أن رجلا كان يطلق امرأته ثم يراجعها، ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها، كيما يطول عليها بذلك العدة ليضارها فأنزل الله تعالى ذكره: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } ليعظم ذلك. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان الباهلي، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { ولا تمسكوهن ضرارا }: هو الرجل يطلق امرأته واحدة، ثم يراجعها، ثم يطلقها، ثم يراجعها، ثم يطلقها ليضارها بذلك لتختلع منه. حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا } قال: نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن بشار طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثا راجعها ثم طلقها، ففعل ذلك بها، حتى مضت لها تسعة أشهر مضارة يضارها، فأنزل الله تعالى ذكره: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا }. حدثني العباس بن الوليد ، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت عبد العزيز يسأل عن طلاق الضرار، فقال: يطلق ثم يراجع، ثم يطلق، ثم يراجع، فهذا الضرار الذي قال الله: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا }.
अज्ञात पृष्ठ