जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
[البقرة: 229]. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. قال أبو جعفر: والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال: أو سئل فقيل: هذا قول الله تعالى ذكره:
الطلق مرتان
[البقرة: 229] فأين الثالثة؟ قال: «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان». فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن الثالثة إنما هي قوله:
أو تسريح بإحسن
[البقرة: 229]. فإذ كان التسريح بالإحسان هو الثالثة، فمعلوم أن قوله: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل، وأنه إنما هو بيان عن الذي يحل للمسرح بالإحسان إن سرح زوجته بعد التطليقتين، والذي يحرم عليه منها، والحال التي يجوز له نكاحها فيها، وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته. فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله: { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } النكاح الذي هو جماع أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟ قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلا نكاح تزويج لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأول، وكذلك إن وطئها واطىء بغير نكاح لم تحل للأول لإجماع الأمة جميعا. فإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن تأويل قوله: { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } نكاحا صحيحا، ثم يجامعها فيه، ثم يطلقها. فإن قال: فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره، فما الدلالة على أن معناه ما قلت؟ قيل: الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه. وبعد، فإن الله تعالى ذكره قال: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } فلو نكحت زوجا غيره بعقب الطلاق قبل انقضاء عدتها، كان لا شك أنها ناكحة نكاحا بغير المعنى الذي أباح الله تعالى ذكره لها ذلك به، وإن لم يكن ذكر العدة مقرونا بقوله: { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } لدلالته على أن ذلك كذلك بقوله:
والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء
[البقرة: 228] وكذلك قوله: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } وإن لم يكن مقرونا به ذكر الجماع والمباشرة والإفضاء فقد دل على أن ذلك كذلك بوحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه ذلك على لسانه لعباده. ذكر الأخبار المروية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثني عبيد الله بن إسماعيل الهباري، وسفيان بن وكيع، وأبو هشام الرفاعي، قالوا: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت رجلا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته "
حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه. حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال: سمعتها تقول: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها:
" تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك "
अज्ञात पृष्ठ