जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في معنى الخوف منهما أن لا يقيما حدود الله، فقال بعضهم: ذلك هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة لزوجها، فإذا ظهر ذلك منها له، حل له أن يأخذ ما أعطته من فدية على فراقها. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } إلا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها، فتدعوك إلى أن تفتدي منك، فلا جناح عليك فيما افتدت به. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: قال ابن جريج: أخبرني هشام بن عروة أن عروة كان يقول: لا يحل الفداء حتى يكون الفساد من قبلها، ولم يكن يقول: لا يحل له حتى تقول: لا أبر لك قسما، ولا أغتسل لك من جنابة. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، قال: قال جابر بن زيد: إذا كان النشز من قبلها حل الفداء. حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة أن أباه كان يقول: إذا كان سوء الخلق وسوء العشرة من قبل المرأة فذاك يحل خلعها. حدثني علي بن سهل، قال: ثنا محمد بن كثير، عن حماد، عن هشام، عن أبيه أنه قال: لا يصلح الخلع، حتى يكون الفساد من قبل المرأة. حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامر في امرأة قالت لزوجها: لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة. قال: ما هذا؟ وحرك يده، لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا إذا كرهت المرأة زوجها فليأخذه وليتركها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة: يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: تفعل بها كذا وتفعل بها كذا، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا وتفعل به كذا، فأيهما كان أظلم رده السلطان وأخذ فوق يده، وإن كانت ناشزا أمره أن يخلع. حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف } إلى قوله: { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال: إذا كانت المرأة راضية مغتبطة مطيعة، فلا يحل له أن يضربها، حتى تفتدي منه، فإن أخذ منها شيئا على ذلك، فما أخذ منها فهو حرام، وإذا كان النشوز والبغض والظلم من قبلها، فقد حل له أن يأخذ منها ما افتدت به.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } قال: لا يحل للرجل أن يخلع امرأته إلا أن يرى ذلك منها، فأما أن يكون يضارها حتى تختلع، فإن ذلك لا يصلح، ولكن إذا نشزت فأظهرت له البغضاء، وأساءت عشرته، فقد حل له خلعها. حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } قال: الصداق { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } وحدود الله أن تكون المرأة ناشزة، فإن الله أمر الزوج أن يعظها بكتاب الله، فإن قبلت وإلا هجرها، والهجران أن لا يجامعها ولا يضاجعها على فراش واحد ويوليها ظهره ولا يكلمها، فإن أبت غلظ عليها القول بالشتيمة لترجع إلى طاعته، فإن أبت فالضرب ضرب غير مبرح، فإن أبت إلا جماحا فقد حل له منها الفدية. وقال آخرون: بل الخوف من ذلك أن لا تبر له قسما ولا تطيع له أمرا، وتقول: لا أغتسل لك من جنابة ولا أطيع لك أمرا، فحينئذ يحل له عندهم أخذ ما آتاها على فراقه إياها. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه، قال: قال الحسن: إذا قالت: لا أغتسل لك من جنابة، ولا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، فحينئذ حل الخلع. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: إذا قالت المرأة لزوجها: لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم حدا من حدود الله، فقد حل له مالها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن محمد بن سالم، قال: سألت الشعبي، قلت: متى يحل للرجل أن يأخذ من مال امرأته؟ قال: إذا أظهرت بغضه وقالت: لا أبر لك قسما ولا أطيع لك أمرا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي أنه كان يعجب من قول من يقول: لا تحل الفدية حتى تقول: لا أغتسل لك من جنابة. وقال: إن الزاني يزني ثم يغتسل. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم في الناشز، قال: إن المرأة ربما عصت زوجها، ثم أطاعته، ولكن إذا عصته فلم تبر قسمه، فعند ذلك تحل الفدية. حدثني يونس، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } لا يحل له أن يأخذ من مهرها شيئا { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } فإذا لم يقيما حدود الله، فقد حل له الفداء، وذلك أن تقول: والله لا أبر لك قسما، ولا أطيع لك أمرا، ولا أكرم لك نفسا، ولا أغتسل لك من جنابة.
فهو حدود الله، فإذا قالت المرأة ذلك فقد حل الفداء للزوج أن يأخذه ويطلقها. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن علي بن بذيمة، عن مقسم في قوله:
ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن
[النساء: 19] يقول: «إلا أن يفحشن» في قراءة ابن مسعود، قال إذا عصتك وآذتك، فقد حل لك ما أخذت منها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، عن مجاهد في قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا } قال: الخلع، قال: ولا يحل له إلا أن تقول المرأة لا أبر قسمه ولا أطيع أمره، فيقبله خيفة أن يسيء إليها إن أمسكها، ويتعدى الحق. وقال آخرون: بل الخوف من ذلك أن تبتذ له بلسانها قولا أنها له كارهة. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، قال: يحل الخلع أن تقول المرأة لزوجها: إني لأكرهك، وما أحبك، ولقد خشيت أن أنام في جنبك ولا أؤدي حقك. وتطيب نفسك بالخلع. وقال آخرون: بل الذي يبيح له أخذ الفدية أن يكون خوف أن لا يقيما حدود الله منهما جميعا لكراهة كل واحد منهما صحبة الآخر. ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا داود، عن عامر، حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، قال: قال عامر: أحل له مالها بنشوزه ونشوزها. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: قال ابن جريج، قال: طاوس: يحل له الفداء ما قال الله تعالى ذكره، ولم يكن يقول قول السفهاء: لا أبر لك قسما، ولكن يحل له الفداء ما قال الله تعالى ذكره: { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } فيما افترض لكل واحد منهما على صاحبه في العشرة والصحبة. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } قال: فيما افترض الله عليهما في العشرة والصحبة. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني الليث، قال: ثني ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، قال: لا يحل الخلع حتى يخافا أن لا يقيما حدود الله في العشرة التي بينهما.
وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: لا يحل للرجل أخذ الفدية من امرأته على فراقه إياها ، حتى يكون خوف معصية الله من كل واحد منهما على نفسه في تفريطه في الواجب عليه لصاحبه منهما جميعا، على ما ذكرناه عن طاوس والحسن ومن قال في ذلك قولهما لأن الله تعالى ذكره إنما أباح للزوج أخذ الفدية من امرأته عند خوف المسلمين عليهما أن لا يقيما حدود الله. فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت فالواجب أن يكون حراما على الرجل قبول الفدية منها إذا كان النشوز منها دونه، حتى يكون منه من الكراهة لها مثل الذي يكون منها له؟ قيل له: إن الأمر في ذلك بخلاف ما ظننت، وذلك أن في نشوزها عليه داعية له إلى التقصير في واجبها ومجازاتها بسوء فعلها به، وذلك هو المعنى الذي يوجب للمسلمين الخوف عليهما أن لا يقيما حدود الله. فأما إذا كان التفريط من كل واحد منهما في واجب حق صاحبه قد وجد وسوء الصحبة والعشرة قد ظهر للمسلمين، فليس هناك للخوف موضع، إذ كان المخوف قد وجد، وإنما يخاف وقوع الشيء قبل حدوثه، فأما بعد حدوثه فلا وجه للخوف منه ولا الزيادة في مكروهه. القول في تأويل قوله تعالى: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله }. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } التي إذا خيف من الزوج والمرأة أن لا يقيماها حلت له الفدية من أجل الخوف عليهما بصنيعها، فقال بعضهم: هو استخفاف المرأة بحق زوجها وسوء طاعتها إياه، وأذاها له بالكلام. ذكر من قال ذلك: حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال: هو تركها إقامة حدود الله، واستخفافها بحق زوجها، وسوء خلقها، فتقول له: والله لا أبر لك قسما، ولا أطأ لك مضجعا، ولا أطيع لك أمرا فإن فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن يزيد بن إبراهيم ، عن الحسن في قوله: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قال: إذا قالت: لا أغتسل لك من جنابة حل له أن يأخذ منها. حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: ثنا يونس، عن الزهري قال: يحل الخلع حين يخافا أن لا يقيما حدود الله، وأداء حدود الله في العشرة التي بينهما. وقال آخرون: معنى ذلك: فإن خفتم أن لا يطيعا الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن عامر: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } قال: أن لا يطيعا الله.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الحدود: الطاعة. والصواب من القول في ذلك: فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ما أوجب الله عليهما من الفرائض فيما ألزم كل واحد منهما من الحق لصاحبه من العشرة بالمعروف، والصحبة بالجميل، فلا جناح عليهما فيما افتدت به. وقد يدخل في ذلك ما رويناه عن ابن عباس والشعبي، وما رويناه عن الحسن والزهري، لأن من الواجب للزوج على المرأة إطاعته فيما أوجب الله طاعته فيه، وأن لا تؤذيه بقول، ولا تمتنع عليه إذا دعاها لحاجته، فإذا خالفت ما أمرها الله به من ذلك كانت قد ضيعت حدود الله التي أمرها بإقامتها. وأما معنى إقامة حدود الله، فإنه العمل بها، والمحافظة عليها، وترك تضييعها، وقد بينا ذلك فيما مضى قبل من كتابنا هذا بما يدل على صحته. القول في تأويل قوله تعالى: { فلا جناح عليهما فيما افتدت به }. يعني قوله تعالى ذكره بذلك: فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيم الزوجان ما حد الله لكل واحد منهما على صاحبه من حق، وألزمه له من فرض، وخشيتم عليهما تضييع فرض الله وتعدي حدوده في ذلك فلا جناح حينئذ عليهما فيما افتدت به المرأة نفسها من زوجها، ولا حرج عليهما فيما أعطت هذه على فراق زوجها إياها ولا على هذا فيما أخذ منها من الجعل والعوض عليه. فإن قال قائل: وهل كانت المرأة حرجة لو كان الضرر من الرجل بها حتى افتدت به نفسها، فيكون لا جناح عليها فيما أعطته من الفدية على فراقها إذا كان النشوز من قبلها؟ قيل: لو علمت في حال ضراره بها ليأخذ منها ما آتاها أن ضراره ذلك إنما هو ليأخذ منها ما حرم الله عليه أخذه على الوجه الذي نهاه الله عن أخذه منها، ثم قدرت أن تمتنع من إعطائه بما لا ضرر عليها في نفس، ولا دين، ولا حق عليها في ذهاب حق لها لما حل لها إعطاؤه ذلك، إلا على وجه طيب النفس منها بإعطائه إياه على ما يحل له أخذه منها لأنها متى أعطته ما لا يحل له أخذه منها وهي قادرة على منعه ذلك بما لا ضرر عليها في نفس، ولا دين، ولا في حق لها تخاف ذهابه، فقد شاركته في الإثم بإعطائه ما لا يحل له أخذه منها على الوجه الذي أعطته عليه، فكذلك وضع عنها الجناح إذا كان النشوز من قبلها، وأعطته ما أعطته من الفدية بطيب نفس، ابتغاء منها بذلك سلامتها وسلامة صاحبها من الوزر والمأثم، وهي إذا أعطته على هذا الوجه باستحقاق الأجر والثواب من الله تعالى أولى إن شاء الله من الجناح والحرج، ولذلك قال تعالى ذكره: { فلا جناح عليهما } فوضع الحرج عنها فيما أعطته على هذا الوجه من الفدية على فراقه إياها، وعنه فيما قبض منها إذا كانت معطية على المعنى الذي وصفنا، وكان قابضا منها ما أعطته من غير ضرار، بل طلب السلامة لنفسه ولها في أديانهما وحذار الأوزار والمأثم.
وقد يتجه قوله: { فلا جناح عليهما } وجها آخر من التأويل وهو أنها لو بذلت ما بذلت من الفدية على غير الوجه الذي أذن نبي الله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس بن شماس، وذلك لكراهتها أخلاق زوجها أو دمامة خلقه، وما أشبه ذلك من الأمور التي يكرهها الناس بعضهم من بعض، ولكن على الانصراف منها بوجهها إلى آخر غيره على وجه الفساد وما لا يحل لها كان حراما عليها أن تعطى على مسألتها إياه فراقها على ذلك الوجه شيئا لأن مسألتها إياه الفرقة على ذلك الوجه معصية منها لله، وتلك هي المختلعة إن خولعت على ذلك الوجه التي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماها منافقة. كما: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس حرم الله عليها رائحة الجنة "
وقال:
अज्ञात पृष्ठ