445

وكان مما اختلفوا فيه أيضا ما قال ابن زيد، وهو ما: حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { فهدى الله الذين آمنوا } للإسلام، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا للقبلة واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، وبعضهم بعض ليلة، وهدانا الله له. واختلفوا في يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت وأخذت النصارى الأحد، فهدانا الله له. واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود كان يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا، فبرأه الله من ذلك، وجعله حنيفا مسلما، وما كان من المشركين الذين يدعونه من أهل الشرك. واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدانا الله للحق فيه فهذا الذي قال جل ثناؤه: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه }.

قال: فكانت هداية الله جل ثناؤه الذين آمنوا بمحمد، وبما جاء به لما اختلف هؤلاء الأحزاب من بني إسرائيل الذين أوتوا الكتاب فيه من الحق بإذنه أن وفقهم لإصابة ما كان عليه من الحق من كان قبل المختلفين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية إذ كانوا أمة واحدة، وذلك هو دين إبراهيم الحنيف المسلم خليل الرحمن، فصاروا بذلك أمة وسطا، كما وصفهم به ربهم ليكونوا شهداء على الناس. كما: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه } فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة كانوا شهداء على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم كذبوا رسلهم. وهي في قراءة أبي بن كعب: «لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». فكان أبو العالية يقول في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن. حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه } يقول: اختلف الكفار فيه، فهدى الله الذين آمنوا للحق من ذلك وهي في قراءة ابن مسعود: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا «فيه» على الإسلام. وأما قوله: { بإذنه } فإنه يعني جل ثناؤه بعلمه بما هداهم له، وقد بينا معنى الإذن إذ كان بمعنى العلم في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا. وأما قوله: { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } فإنه يعني به: والله يسدد من يشاء من خلقه ويرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه، كما هدى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه بغيا بينهم، فسددهم لإصابة الحق والصواب فيه. وفي هذه الآية البيان الواضح على صحة ما قاله أهل الحق من أن كل نعمة على العباد في دينهم أو دنياهم، فمن الله عز وجل. فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه } أهداهم للحق أم هداهم للاختلاف؟ فإن كان هداهم للاختلاف فإنما أضلهم، وإن كان هداهم للحق فكيف قيل: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه }؟ قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى الله الذين آمنوا للحق فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديله بعضهم، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم، وهم أهل التوراة الذين بدلوها ، فهدى الله للحق مما بدلوا وحرفوا الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال أبو جعفر: فإن أشكل ما قلنا على ذي غفلة، فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت، و«من» إنما هي في كتاب الله في «الحق» واللام في قوله: { لما اختلفوا فيه } وأنت تحول اللام في «الحق»، و«من» في «الاختلاف» في التأويل الذي تتأوله فتجعله مقلوبا؟ قيل: ذلك في كلام العرب موجود مستفيض، والله تبارك وتعالى إنما خاطبهم بمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر:

كانت فريضة ما تقول كما

كان الزناء فريضة الرجم

وإنما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر:

إن سراجا لكريم مفخره

تحلى به العين إذا ما تجهره

وإنما سراج الذي يحلى بالعين، لا العين بسراج. وقد قال بعضهم: إن معنى قوله { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق } أن أهل الكتب الأول اختلفوا، فكفر بعضهم بكتاب بعض، وهي كلها من عند الله، فهدى الله أهل الإيمان بمحمد للتصديق بجميعها، وذلك قول، غير أن الأول أصح القولين، لأن الله إنما أخبر باختلافهم في كتاب واحد.

[2.214]

अज्ञात पृष्ठ