438

وأعرض عن قول اللئيم تكرما

وقال: لما أذهب اللام أعمل فيه الفعل. وقال بعضهم: أيما مصدر وضع موضع الشرط وموضع «أن» فتحسن فيها الباء واللام، فتقول: أتيتك من خوف الشر، ولخوف الشر، وبأن خفت الشر فالصفة غير معلومة، فحذفت وأقيم المصدر مقامها. قال: ولو كانت الصفة حرفا واحدا بعينه لم يجز حذفها كما غير جائز لمن قال: فعلت هذا لك ولفلان، أن يسقط اللام. ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية فيه ومن عنى بها، فقال بعضهم: نزلت في المهاجرين والأنصار، وعنى بها المجاهدون في سبيل الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } قال: المهاجرون والأنصار. وقال بعضهم: نزلت في رجال من المهاجرين بأعيانهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } قال: نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري جندب بن السكن أخذ أهل أبي ذر أبا ذر، فانفلت منهم، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجع مهاجرا عرضوا له، وكانوا بمر الظهران، فانفلت أيضا حتى قدم على النبي عليه الصلاة والسلام. وأما صهيب فأخذه أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرا فأدركه منقذ بن عمير بن جدعان، فخرج له مما بقي من ماله، وخلى سبيله. حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } الآية، قال: كان رجل من أهل مكة أسلم، فأراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويهاجر إلى المدينة، فمنعوه وحبسوه، فقال لهم: أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء فخلوا عنى فألحق بهذا الرجل فأبوا.

ثم إن بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخلوا عنه ففعلوا، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } الآية فلما دنا من المدينة تلقاه عمر في رجال، فقال له عمر: ربح البيع، قال: وبيعك فلا يخسر، قال: وما ذاك؟ قال: أنزل فيك كذا وكذا. وقال آخرون: بل عنى بذلك كل شار نفسه في طاعة الله وجهاد في سبيله أو أمر بمعروف. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا حسين بن الحسن أبو عبد الله، قال: ثنا أبو عون، عن محمد، قال: حمل هشام بن عامر على الصف حتى خرقه، فقالوا: ألقى بيده، فقال أبو هريرة: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله }. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة، قال: بعث عمر جيشا فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيلة، فقاتل، فقتل، فأكثر الناس فيه يقولون: ألقى بيده إلى التهلكة. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: كذبوا، أليس الله عز وجل يقول: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد }. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن قتادة، قال: حمل هشام بن عامر على الصف حتى شقه، فقال أبو هريرة: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله }. حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حزام بن أبي حزم، قال: سمعت الحسن قرأ: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد } أتدرون فيم أنزلت؟ نزلت في أن المسلم لقي الكافر فقال له: قل لا إله إلا الله، فإذا قلتها عصمت دمك ومالك إلا بحقهما. فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرين نفسي لله. فتقدم فقاتل حتى قتل. حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، ثنا زياد بن أبي مسلم، عن أبي الخليل، قال: سمع عمر إنسانا قرأ هذه الآية: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } قال: استرجع عمر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. والذي هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل، ما روي عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم، من أن يكون عنى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. وذلك أن الله جل ثناؤه وصف صفة فريقين: أحدهما منافق يقول بلسانه خلاف ما في نفسه وإذا اقتدر على معصية الله ركبها وإذا لم يقتدر رامها وإذا نهى أخذته العزة بالإثم بما هو به آثم، والآخر منهما بائع نفسه طالب من الله رضا الله.

فكان الظاهر من التأويل أن الفريق الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه، إنما شراها للوثوب بالفريق الفاجر طلب رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية. وأما ما روي من نزول الآية في أمر صهيب، فإن ذلك غير مستنكر، إذ كان غير مدفوع جواز نزول آية من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسباب، والمعني بها كل من شمله ظاهرها. فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عز ذكره وصف شاريا نفسه ابتغاء مرضاته، فكل من باع نفسه في طاعته حتى قتل فيها أو استقتل وإن لم يقتل، فمعني بقوله: { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله } في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه أو في أمر بمعروف أو نهي عن منكر. القول في تأويل قوله تعالى: { والله رءوف بالعباد }. قد دللنا فيما مضى على معنى الرأفة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وأنها رقة الرحمة فمعنى ذلك: والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حاده في أمره من أهل الشرك والفسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته.

[2.208]

اختلف أهل التأويل في معنى السلم في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناه: الإسلام. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: { ادخلوا في السلم } قال: ادخلوا في الإسلام. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: { ادخلوا في السلم } قال: ادخلوا في الإسلام. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: { ادخلوا في السلم كافة } قال: السلم: الإسلام. حدثني موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ادخلوا في السلم } يقول: في الإسلام. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن مجاهد: ادخلوا في الإسلام. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { ادخلوا في السلم } قال: السلم: الإسلام. حدثت عن الحسين بن فرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: { ادخلوا في السلم }: في الإسلام. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادخلوا في الطاعة. ذكر من قال ذلك: حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: { ادخلوا في السلم } يقول: ادخلوا في الطاعة. وقد اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز: «ادخلوا في السلم» بفتح السين. وقرأته عامة قراء الكوفيين بكسر السين. فأما الذين فتحوا السين من «السلم»، فإنهم وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمسالمة وترك الحرب وإعطاء الجزية. وأما الذين قرءوا ذلك بالكسر من السين فإنهم مختلفون في تأويله فمنهم من يوجهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة، ومنهم من يوجهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن السين تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير بن أبي سلمى:

وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا

بمال ومعروف من الأمر نسلم

وأولى التأويلات بقوله: { ادخلوا في السلم } قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة. وأما الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر السين لأن ذلك إذا قرىء كذلك وإن كان قد يحتمل معنى الصلح، فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلب عليه من الصلح والمسالمة، وينشد بيت أخي كندة:

دعوت عشيرتي للسلم لما

अज्ञात पृष्ठ