जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
وهذا القول الثاني يحتمل أن يكون بمعنى ما قلنا من أن يكون الإحرام كان عند قائله الإيجاب بالعزم. ويحتمل أن يكون كان عنده بالعزم والتلبية، كما قال القائلون القول الأول. وإنما قلنا: إن فرض الحج الإحرام لإجماع الجميع على ذلك. وقلنا: إن الإحرام هو إيجاب الرجل ما يلزم المحرم أن يوجبه على نفسه، على ما وصفنا آنفا، لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد أمور ثلاثة: إما أن يكون الرجل غير محرم إلا بالتلبية وفعل جميع ما يجب على الموجب الإحرام على نفسه فعله، فإن يكن ذلك كذلك، فقد يجب أن لا يكون محرما إلا بالتجرد للإحرام، وأن يكون من لم يكن له متجردا فغير محرم. وفي إجماع الجميع على أنه قد يكون محرما وإن لم يكن متجردا من ثيابه بإيجابه الإحرام ما يدل على أنه قد يكون محرما وإن لم يلب، إذ كانت التلبية بعض مشاعر الإحرام، كما التجرد له بعض مشاعره. وفي إجماعهم على أنه قد يكون محرما بترك بعض مشاعر حجه ما يدل على أن حكم غيره من مشاعره حكمه. أو يكون إذ فسد هذا القول قد يكون محرما وإن لم يلب ولم يتجرد ولم يعزم العزم الذي وصفنا. وفي إجماع الجميع على أنه لا يكون محرما من لم يعزم على الإحرام ويوجبه على نفسه إذا كان من أهل التكليف ما ينبىء عن فساد هذا القول، وإذ فسد هذان الوجهان فبينة صحة الوجه الثالث، وهو أن الرجل قد يكون محرما بإيجابه الإحرام بعزمه على سبيل ما بينا، وإن لم يظهر ذلك بالتجرد والتلبية وصنيع بعض ما عليه عمله من مناسكه. وإذا صح ذلك صح ما قلنا من أن فرض الحج هو ما قرن إيجابه بالعزم على نحو ما بينا قبل. القول في تأويل قوله تعالى: { فلا رفث }. اختلف أهل التأويل في معنى الرفث في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الإفحاش للمرأة في الكلام، وذلك بأن يقول: إذا حللنا فعلت بك كذا وكذا لا يكني عنه، وما أشبه ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن حماد الدولابي ويونس. قالا: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سألت ابن عباس عن الرفث في قول الله: { فلا رفث ولا فسوق } قال: هو التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة من كلام العرب، وهو أدنى الرفث. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن روح بن القاسم، عن ابن طاوس في قوله: { فلا رفث } قال: الرفث: العرابة والتعريض للنساء بالجماع. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عون، قال: ثنا زياد بن حصين، قال: ثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت له خليلا، فلما كان بعدما أحرمنا قال ابن عباس، فأخذ بذنب بعيره، فجعل يلويه، وهو يرتجز ويقول:
وهن يمشين بنا هميسا
إن تصدق الطير ننك لميسا
قال: فقلت: أترفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس أنه كان يحدو وهو محرم، ويقول:
وهن يمشين بنا هميسا
إن تصدق الطير ننك لميسا
قال: قلت: تتكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس أن نافعا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث: إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي، مثله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيحل للمحرم أن يقول لامرأته: إذا حللت أصبتك؟ قال: لا، ذاك الرفث. قال: وقال عطاء: الرفث ما دون الجماع. حدثنا ابن بشار، قال: ثني محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عطاء: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: قول الرجل لامرأته: إذا حللت أصبتك، قال: ذاك الرفث. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، قال: كنت أمشي مع ابن عباس وهو محرم، وهو يرتجز ويقول:
وهن يمشين بنا هميسا
إن تصدق الطيرننك لميسا
قال: قلت: أترفث يا ابن عباس وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما روجع به النساء. حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا سفيان ويحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرنا ابن الزبير السبائي وعطاء، أنه سمع طاوسا قال: سمعت ابن الزبير يقول: لا يحل للمحرم الإعرابة. فذكرته لابن عباس ، فقال: صدق. قلت لابن عباس: وما الإعراب؟ قال: التعريض. حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس أنه كان يقول: لا يحل للمحرم الإعرابة. قال طاوس: والإعرابة: أن يقول وهو محرم: إذا حللت أصبتك. حدثني أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فطر، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، قال: لا يكون رفث إلا ما واجهت به النساء. حدثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن عطاء قال: كانوا يكرهون الإعرابة يعني التعريض بذكر الجماع وهو محرم.
अज्ञात पृष्ठ