قلوبنا في أكنة
[فصلت: 5]. حدثني المثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: { قلوبنا غلف } أي لا تفقه. حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { وقالوا قلوبنا غلف } قال: يقولون: عليها غلاف وهو الغطاء. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: { قلوبنا غلف } قال: يقول قلبي في غلاف، فلا يخلص إليه مما تقول. وقرأ:
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه
[فصلت: 5]. قال أبو جعفر: وأما الذين قرءوها: «غلف» بتحريك اللام وضمها، فإنهم تأولوها أنهم قالوا: قلوبنا غلف للعلم، بمعنى أنها أوعية. قال: والغلف على تأويل هؤلاء جمع غلاف، كما يجمع الكتاب كتب، والحجاب حجب، والشهاب شهب. فمعنى الكلام على تأويل قراءة من قرأ: «غلف» بتحريك اللام وضمها: وقالت اليهود قلوبنا غلف للعلم، وأوعية له ولغيره. ذكر من قال ذلك: حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: «وقالوا قلوبنا غلف» قال: أوعية للذكر. حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فضيل، عن عطية في قوله: «قلوبنا غلف» قال: أوعية للعلم. حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فضيل، عن عطية، مثله. حدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: { وقالوا قلوبنا غلف } قال: مملوءة علما لا تحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره. والقراءة التي لا يجوز غيرها في قوله: { قلوبنا غلف } هي قراءة من قرأ «غلف» بتسكين اللام بمعنى أنها في أغشية وأغطية لاجتماع الحجة من القراء وأهل التأويل على صحتها، وشذوذ من شذ عنهم بما خالفه من قراءة ذلك بضم اللام. وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه حجة على من بلغه، وما جاء به المنفرد فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا وقولا وعملا في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا المكان. القول في تأويل قوله تعالى: { بل لعنهم الله بكفرهم }. يعني جل ثناؤه بقوله: { بل لعنهم الله }: بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم وجحودهم آيات الله وبيناته، وما ابتعث به رسله، وتكذيبهم أنبياءه. فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك. وأصل اللعن: الطرد والإبعاد والإقصاء، يقال: لعن الله فلانا يلعنه لعنا وهو ملعون، ثم يصرف مفعول فيقال هو لعين ومنه قول الشماخ بن ضرار:
ذعرت به القطا ونفيت عنه
مكان الذئب كالرجل اللعين
قال أبو جعفر: في قول الله تعالى ذكره: { بل لعنهم الله بكفرهم } تكذيب منه للقائلين من اليهود: { قلوبنا غلف } لأن قوله: { بل } دلالة على جحده جل ذكره، وإنكاره ما ادعوا من ذلك إذ كانت «بل» لا تدخل في الكلام إلا نقضا لمجحود. فإذا كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: وقالت اليهود قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد. فقال الله تعالى ذكره: ما ذلك كما زعموا، ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته وطردهم عنها وأخزاهم بجحودهم له ولرسله فقليلا ما يؤمنون. القول في تأويل قوله تعالى: { فقليلا ما يؤمنون }. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: { فقليلا ما يؤمنون }. فقال بعضهم: معناه: فقليل منهم من يؤمن، أي لا يؤمن منهم إلا قليل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد ابن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب، إنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: { فقليلا ما يؤمنون } قال: لا يؤمن منهم إلا قليل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: { فقليلا ما يؤمنون } قال: لا يؤمن منهم إلا قليل. قال معمر: وقال غيره: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم. وأولى التأويلات في قوله: { فقليلا ما يؤمنون } بالصواب ما نحن متقنوه إن شاء الله وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك نصب قوله: { فقليلا } لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره، ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانا قليلا ما يؤمنون. فقد تبين إذا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك لأن معنى ذلك لو كان على ما روي من أنه يعني به: فلا يؤمن منهم إلا قليل، أو فقليل منهم من يؤمن، لكان القليل مرفوعا لا منصوبا لأنه إذا كان ذلك تأويله كان القليل حينئذ مرافعا «ما» وإن نصب القليل، و«ما» في معنى «من» أو «الذي» بقيت «ما» لا مرافع لها، وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب. فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى «ما» التي في قوله: { فقليلا ما يؤمنون } فقال بعضهم: هي زائدة لا معنى لها، وإنما تأويل الكلام: فقليلا يؤمنون، كما قال جل ذكره:
فبما رحمة من الله لنت
[آل عمران: 159] وما أشبه ذلك. فزعم أن «ما» في ذلك زائدة، وأن معنى الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك ببيت مهلهل:
لو بأبانين جاء يخطبها
अज्ञात पृष्ठ