1183

[6.3]

يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهة التي لا تنبغي لغيره المستحق عليكم إخلاص الحمد له بآلائه عندكم أيها الناس الذي يعدل به كفاركم من سواه، هو الله الذي هو في السموات وفي الأرض، { ويعلم سركم وجهركم } فلا يخفى عليه شيء، يقول: فربكم الذي يستحق عليكم الحمد ويجب عليكم إخلاص العبادة له، هو هذا الذي صفته، لا من يقدر لكم على ضر ولا نفع ولا يعمل شيئا ولا يدفع عن نفسه سوءا أريد بها. وأما قوله: { ويعلم ما تكسبون } يقول: ويعلم ما تعملون وتجرحون، فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه.

[6.4]

يقول تعالى ذكره: وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدلون أوثانهم وآلهتهم { آية من آيات ربهم } يقول: حجة وعلامة ودلالة من حجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته وحقيقة نبوتك يا محمد وصدق ما أتيتهم به من عندي، { إلا كانوا عنها معرضين } يقول: إلا أعرضوا عنها، يعني عن الآية، فصدوا عن قبولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلت على صحته، جهلا منهم بالله واغترارا بحلمه عنهم.

[6.5]

يقول تعالى ذكره: فقد كذب هؤلاء العادلون بالله الحق لما جاءهم، وذلك الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم، كذبوا به، وجحدوا نبوته لما جاءهم قال الله لهم متوعدا على تكذيبهم إياه وجحودهم نبوته: سوف يأتي المكذبين بك يا محمد من قومك وغيرهم { أنباء ما كانوا به يستهزءون } يقول: سوف يأتيهم أخبار استهزائهم بما كانوا به يستهزءون من آياتي وأدلتي التي آتيتهم. ثم وفى لهم بوعيده لما تمادوا في غيهم وعتوا على ربهم، فقتلهم يوم بدر بالسيف.

[6.6]

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتي الجاحدون نبوتك، كثرة من أهلكت من قبلهم من القرون، وهم الأمم الذين وطأت لهم البلاد والأرض وطاءة لم أوطئها لهم، وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم. كما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم. قال أبو جعفر: أمطرت فأخرجت لهم الأشجار ثمارها، وأعطتهم الأرض ريع نباتها، وجابوا صخور جبالها، ودرت عليهم السماء بأمطارها، وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني، فغمطوا نعمة ربهم وعصوا رسول خالقهم وخالفوا أمر بارئهم، وبغوا حتى حق عليهم قولي، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم، وأهلكت بعضهم بالرجفة وبعضهم بالصيحة وغير ذلك من أنواع العذاب. ومعنى قوله: { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } المطر، ويعني بقوله: «مدرارا»: غزيرة دائمة. { وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } يقول وأحدثنا من بعدهم الذين أهلكناهم قرنا آخرين فابتدأنا سواهم. فإن قال قائل: فما وجه قوله: { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } ومن المخاطب بذلك؟ فقد ابتدأ الخبر في أول الآية عن قوم غيب بقوله: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن }؟ قيل: إن المخاطب بقوله: { ما لم نمكن لكم } هو المخبر عنهم بقوله: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } ولكن في الخبر معنى القول، ومعناه: قل يا محمد لهؤلاء القوم الذين كذبوا بالحق لما جاءهم: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم }. والعرب إذا أخبرت خبرا عن غائب وأدخلت فيه قولا فعلت ذلك فوجهت الخبر أحيانا إلى الخبر عن الغائب، وأحيانا إلى الخطاب، فتقول: قلت لعبد الله: ما أكرمه، وقلت لعبد الله: ما أكرمك، وتخبر عنه أحيانا على وجه الخبر عن الغائب ثم تعود إلى الخطاب، وتخبر على وجه الخطاب له ثم تعود إلى الخبر عن الغائب. وذلك في كلامها وأشعارها كثير فاش وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقد كان بعض نحوي البصرة يقول في ذلك: كأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطبه معهم وقال: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة فجاء بلفظ الغائب وهو يخاطب، لأنه المخاطب.

[6.7]

وهذا إخبار من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء القوم الذين يعدلون بربهم الأوثان والآلهة والأصنام. يقول تعالى ذكره: وكيف يتفقهون الآيات، أم كيف يستدلون على بطلان ما هم عليه مقيمون من الكفر بالله وجحود نبوتك بحجج الله وآياته وأدلته، وهم لعنادهم الحق وبعدهم من الرشد، لو أنزلت عليك يا محمد الوحي الذي أنزلته عليك مع رسولي في قرطاس يعاينونه ويمسونه بأيديهم وينظرون إليه ويقرءونه منه معلقا بين السماء والأرض بحقيقة ما تدعوهم إليه وصحة ما تأتيهم به من توحيدي وتنزيلي، لقال الذين يعدلون بي غيري فيشركون في توحيدي سواي: { إن هذا إلا سحر مبين }: أي ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحرت به أعيننا، ليست له حقيقة ولا صحة { مبين } يقول: مبين لمن تدبره وتأمله أنه سحر لا حقيقة له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: { كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم } قال: فمسوه ونظروا إليه لم يصدقوا به. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم } يقول: فعاينوه معاينة لقال الذين كفروا: { إن هذا إلا سحر مبين }. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم } يقول: لو نزلنا من السماء صحفا فيها كتاب فلمسوه بأيديهم، لزادهم ذلك تكذيبا. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس }: الصحف. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: { في قرطاس } يقول: في صحيفة، { فلمسوه بأيديهم } لقال الذين كفروا: { إن هذا إلا سحر مبين }.

अज्ञात पृष्ठ