1105

[5.52]

اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها عبد الله بن أبي بن سلول. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد: { فترى الذين في قلوبهم مرض } عبد الله بن أبي، { يسارعون فيهم } في ولايتهم، { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة }... إلى آخر الآية { فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين }. حدثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثني والدي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: { فترى الذين في قلوبهم مرض } يعني: عبد الله بن أبي، { يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } لقوله: إني أخشى دائرة تصيبني. وقال آخرون: بل عني بذلك قوم من المنافقين كانوا يناصحون اليهود ويغشون المؤمنين ويقولون: نخشى أن تكون دائرة لليهود على المؤمنين. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } قال: المنافقون في مصانعة يهود ومناجاتهم، واسترضاعهم أولادهم إياهم. وقول الله تعالى ذكره: { نخشى أن تصيبنا دائرة } قال: يقول: نخشى أن تكون الدائرة لليهود. حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { فترى الذين في قلوبهم مرض }... إلى قوله: { نادمين }: أناس من المنافقين كانوا يودون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين. حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط عن السدي: { فترى الذين في قلوبهم مرض } قال: شك { يسارعون فيهم نخشى يقولون أن تصيبنا دائرة } والدائرة: ظهور المشركين عليهم. والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن ذلك من الله خبر عن ناس من المنافقين كانوا يوالون اليهود والنصارى، ويغشون المؤمنين، ويقولون: نخشى أن تدور دوائر، إما لليهود والنصارى، وإما لأهل الشرك من عبدة الأوثان أو غيرهم على أهل الإسلام، أو تنزل بهؤلاء المنافقين نازلة، فيكون بنا إليهم حاجة. وقد يجوز أن يكون ذلك كان من قول عبد الله بن أبي، ويجوز أن يكون كان من قول غيره، غير أنه لا شك أنه من قول المنافقين. فتأويل الكلام إذن: فترى يا محمد الذين في قلوبهم مرض وشك إيمان بنبوتك، وتصديق ما جئتهم به من عند ربك { يسارعون فيهم } يعني في اليهود والنصارى. ويعني بمسارعتهم فيهم: مسارعتهم في موالاتهم ومصانعتهم. { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } يقول هؤلاء المنافقون: إنما نسارع في موالاة هؤلاء اليهود والنصارى خوفا من دائرة تدور علينا من عدونا.

ويعني بالدائرة: الدولة، كما قال الراجز:

ترد عنك القدر المقدورا

ودائرات الدهر أن تدورا

يعني: أن تدول للدهر دولة فنحتاج إلى نصرتهم إيانا، فنحن نواليهم لذلك. فقال الله تعالى ذكره لهم: { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين }. القول في تأويل قوله تعالى: { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين }. يعني تعالى ذكره بقوله: { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده } فلعل الله أن يأتي بالفتح. ثم اختلفوا في تأويل الفتح في هذا الموضع، فقال بعضهم،: عني به ههنا القضاء. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } قال: بالقضاء. وقال آخرون: عني به فتح مكة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدبن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } قال: فتح مكة. والفتح في كلام العرب: هو القضاء كما قال قتادة، ومنه قول الله تعالى: { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق }. وقد يجوز أن يكون ذلك القضاء الذي وعد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } فتح مكة، لأن ذلك كان من عظيم قضاء الله وفصل حكمة بين أهل الإيمان والكفر، ويقرر عند أهل الكفر والنفاق أن الله معلي كلمته وموهن كيد الكافرين. وأما قوله: { أو أمر من عنده } فإن السدي كان يقول في ذلك ما: حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، السدي: { أو أمر من عنده } قال: الأمر: الجزية. وقد يحتمل أن يكون الأمر الذي وعد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأتي به، هو الجزية، ويحتمل أن يكون غيرها. غير أنه أي ذلك كان فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرهم وذلك أن الله تعالى قد أخبر عنهم أن ذلك الأمر إذا جاء أصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين. وأما قوله: { فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } فإنه يعني: هؤلاء المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود والنصارى، يقول تعالى ذكره: لعل الله أن يأتي بأمر من عنده يديل به المؤمنين على الكافرين اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، فيصبح هؤلاء المنافقون على ما أسروا في أنفسهم من مخالة اليهود والنصارى ومودتهم وبغضة المؤمنين ومحادتهم نادمين. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } من موادتهم اليهود، ومن غشهم للإسلام وأهله.

[5.53]

اختلف القراء في قراءة قوله: { ويقول الذين آمنوا } فقرأتها قراء أهل المدينة: «فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله» بغير واو. وتأويل الكلام على هذه القراءة: فيصبح المنافقون إذا أتى الله بالفتح أو أمر من عنده، على ما أسروا في أنفسهم نادمين، يقول المؤمنين تعجبا منهم ومن نفاقهم وكذبهم واجترائهم على الله في أيمانهم الكاذبة بالله: أهؤلاء الذين أقسموا لنا بالله إنهم لمعنا وهم كاذبون في أيمانهم لنا وهذا المعنى قصد مجاهد في تأويله ذلك الذي: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:

فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده

حينئذ، يقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أفسموا بالله جهد إيمانهم، إنهم لمعكم، حبطت أعمالهم فأصحوا خاسرين. وكذلك ذلك في مصاحف أهل المدينة بغير واو. وقرأ ذلك بعض البصريين: { ويقول الذين آمنوا } بالواو، ونصب «يقول» عطفا به على «فعسى الله أن يأتي بالفتح». وذكر قارىء ذلك أنه كان يقول: إنما أريد بذلك: فعسى الله أن يأتي بالفتح، وعسى يقول الذين آمنوا. ومحال غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يقال: وعسى الله أن يقول الذين آمنوا، وكان يقول: ذلك نحو قولهم: أكلت خبزا ولبنا، وكقول الشاعر:

अज्ञात पृष्ठ

जामे बयान | उसूल