जामे बयान
جامع البيان في تفسير القرآن
أحياها فلم يقتلها وعفا عنها. قال: وذلك ولي القتيل، والقتيل نفسه يعفو عنه قبل أن يموت. قال: كان أبي يقول ذلك. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن في قوله: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } قال: من عفا. حدثنا سفيان، قال: ثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } قال: من قتل حميم له فعفا عن دمه. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } قال: العفو بعد القدرة. وقال آخرون: معنى قوله: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ومن أنجاها من غرق أو حرق. ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } قال: من أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وحدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } قال: من غرق أو حرق أو هدم. حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: { ومن أحياها } قال: أنجاها. وقال الضحاك بما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي عامر، عن الضحاك، قال: { من قتل نفسا بغير نفس } قال: من تورع أو لم يتورع. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثني عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { فكأنما أحيا الناس جميعا } يقول: لو لم يقتله لكان قد أحيا الناس، فلم يستحل محرما. وقال قتادة والحسن في ذلك بما: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن: { من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض } قال: عظم ذلك. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس }... الآية: من قتلها على غير نفس ولا فساد أفسدته { فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } عظم والله أجرها، وعظم وزرها فأحيها يا ابن آدم بمالك، وأحيها بعفوك إن استطعت، ولا قوة إلا بالله. وإنا لا نعلمه يحل دم رجل مسلم من أهل هذه القبلة إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فعليه القتل، أو زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل متعمدا فعليه القود. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: تلا قتادة: { من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } قال: عظم والله أجرها، وعظم والله وزرها.
حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، قال: ثني سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن: { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس }... الآية، أهي لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا. حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد، قال: سمعت خالدا أبا الفضل، قال: سمعت الحسن تلا هذه الآية:
فطوعت له نفسه قتل أخيه
[المائدة: 30]... إلى قوله: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ثم قال: عظم والله في الوزر كما تسمعون، ورغب والله في الأجر كما تسمعون إذا ظننت يا ابن آدم أنك لو قتلت الناس جميعا فإن لك من عملك ما تفوز به من النار، كذبتك والله نفسك، وكذبك الشيطان. حدثنا هناد، قال: ثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن الحسن في قوله: { فكأنما قتل الناس جميعا } قال: وزرا { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا }. قال: أجرا. وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: تأويل ذلك أنه من قتل نفسا مؤمنة بغير نفس قتلتها فاستحقت القود بها والقتل قصاصا، أو بغير فساد في الأرض، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها، فكأنما قتل الناس جميعا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه، كما أوعده ذلك من فعله ربه بقوله:
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خلدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما
[النساء: 93]. وأما قوله: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } فأولى التأويلات به قول من قال: من حرم قتل من حرم الله عز ذكره قتله على نفسه، فلم يتقدم على قتله، فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه، وذلك إحياؤه إياها. وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاج إبراهيم في ربه، إذ قال له إبراهيم:
ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت
[البقرة: 258]. فكان معنى الكافر في قيله : أنا أحيي وأميت: أنا أترك من قدرت على قتله وفي قوله: وأميت: قتله من قتله. فكذلك معن الإحياء في قوله: { ومن أحياها }: من سلم الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله في قتله منهم { فكأنما أحيا الناس جميعا }. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية، لأنه لا نفس يقوم قتلها في عاجل الضر مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس في عاجل النفع، فكان معلوما بذلك أن معنى الإحياء: سلامة جميع النفوس منه، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة، فقد سلم منه جميع النفوس، وأن الواحدة منها التي يقوم قتلها مقام جميعها إنما هو في الوزر، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها وإن كان فقد بعضها أعم ضررا من فقد بعض.
القول في تأويل قوله تعالى: { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون }. وهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم به، إن رسله صلوات الله عليهم قد أتت بني إسرائيل الذين قص الله قصصهم وذكر نبأهم في الآيات التي تقدمت من قوله:
يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم
अज्ञात पृष्ठ