1039

يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر الصلاة، فاغسلوا وجوهكم بالماء، وأيديكم إلى المرافق. ثم اختلف أهل التأويل في قوله: { إذا قمتم إلى الصلاة } أمراد به كل حال قام إليها، أو بعضها؟ وأي أحوال القيام إليها؟ فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه من أنه معني به بعض أحوال القيام إليها دون كل الأحوال، وأن الحال التي عني بها حال القيام إليها على غير طهر. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، قال: سئل عكرمة عن قول الله: { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } فكل ساعة يتوضأ؟ فقال: قال ابن عباس: لا وضوء إلا من حدث. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت مسعود بن علي الشيباني، قال: سمعت عكرمة، قال: كان سعد بن أبي وقاص يصلي الصلوات بوضوء واحد. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن علي، عن عكرمة، قال: كان سعد بن أبي وقاص يقول: صل بطهورك ما لم تحدث. حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: أخبرنا سليم بن أخضر، قال: أخبرنا ابن عون عن محمد، قال: قلت لعبيدة السلماني: ما يوجب الوضوء؟ قال: الحدث. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن يزيد ابن طريف أو طريف بن يزيد أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطىء دجلة، فتوضؤا فصلوا الظهر، فلما نودي بالعصر، قام رجال يتوضؤون من دجلة، فقال: إنه لا وضوء إلا على من أحدث. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن طريف بن زياد أو زياد بن طريف عن واقع بن سحبان: أنه شهد أبا موسى صلى بأصحابه الظهر، ثم جلسوا حلقا على شاطىء دجلة، فنودي بالعصر، فقام رجال يتوضؤون، فقال أبو موسى: لا وضوء إلا على من أحدث. حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد أو يزيد بن طريف قال: كنت مع أبي موسى بشاطىء دجلة فذكر نحوه. حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد أو يزيد بن طريف عن أبي موسى، مثله. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أبو خالد، قال: توضأت عند أبي العالية الظهر أو العصر، فقلت: أصلي بوضوئي هذا، فإني لا أرجع إلى أهلي إلى العتمة؟ قال أبو العالية: لا حرج.

وعلمنا: إذا توضأ الإنسان فهو في وضوئه حتى يحدث حدثا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا ابن هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: الوضوء من غير حدث اعتداء. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، ثنا أبو هلال، عن قتادة، عن سعيد، مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، قال: رأيت إبراهيم صلى بوضوء واحد، الظهر والعصر والمغرب. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام، قال: ثنا الأعمش، قال: كنت مع يحيى، فأصلي الصلوات بوضوء واحد، قال: وإبراهيم مثل ذلك. حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت الحسن سئل عن الرجل يتوضأ فيصلي الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال: لا بأس به ما لم يحدث. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، عن الضحاك، قال: يصلي الصلوات بالوضوء الواحد ما لم يحدث. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال ثنا زائدة عن الأعمش، عن عمارة، قال: كان الأسود يصلي الصلوات بوضوء واحد. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } يقول: قمتم وأنتم على غير طهر. حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن الأسود: أنه كان له قعب قدر ري رجل، فكان يتوضأ ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها. حدثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي، قال: ثنا الفضل ابن المبشر، قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل طهوره الخفين. فقلت: أبا عبد الله أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه، فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع. وقال آخرون: معنى ذلك: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني من سمع مالك بن أنس، يحدث عن زيد بن أسلم، قوله: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } قال: يعني: إذا قمتم من النوم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس، أخبره عن زيد بن أسلم، بمثله. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } قال: فقال: قمتم إلى الصلاة من النوم.

وقال آخرون: بل ذلك معني به كل حال قيام المرء إلى صلاته أن يجدد لها طهرا. ذكر من قال ذلك: حدثنا حميد بن مسعدة: ثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن علي، قال: سألت عكرمة، قال: قلت يا أبا عبد الله، أتوضأ لصلاة الغدة ثم آتي السوق فتحضر صلاة الظهر فأصلي؟ قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق }. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت مسعود بن علي الشيباني، قال: سمعت عكرمة يقول: كان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم }... الآية. حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، قال: توضأ عمر بن الخطاب وضوءا فيه تجوز خفيفا، فقال: هذا وضوء من لم يحدث. حدثنا ابن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال، قال: رأيت عليا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: أن عليا اكتال من جب فتوضأ وضوءا فيه تجوز، فقال: هذا وضوء من لم يحدث. وقال آخرون: بل كان هذا أمرا من الله عز ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به أن يتوضؤا لكل صلاة، ثم نسخ ذلك بالتخفيف. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن ابي إسحاق قال: ثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني، مازن بني النجار، فقال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمن هو؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن زيد بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدث. فكان عبد الله يرى أن به قوة عليه، فكان يتوضأ. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال: ثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري، قال: قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر، أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح، صلى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله قال: «عمدا فعلته». حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن محارب، بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ، فذكر نحوه. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، صنعت شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال:

" عمدا فعلته يا عمر "

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما فتح مكة، صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد. حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد. حدثنا محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا الحكم بن ظهير، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر «أن رسول الله صلى صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد». وأولى الاقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال ان الله عنى بقوله: اذا قمتم الى الصلاة فاغلسوا جميع أحوال قيام القائم الى الصلاة، غيرأنه أمر فرض بغسل ما أمر الله بغسله القائم الى صلاته بعد حدث كان منه ناقص طهارته، وقبل احداث الوضوء منه، وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة ثم صلى يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد ليعلم أمته أن ما كان يفعل عليه السلام من تجديد الطهر لكل صلاة انما كان منه أخذا بالفضل، وايثارا منه لأحب الأمرين الى الله ومسارعة منه الى ما ندبه اليه ربه لا على أن ذلك كان عليه فرضا واجبا.

فإن ظن ظان أن في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة، دلالة على خلاف ما قلنا من أن ذلك كان ندبا للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وخيل إليه أن ذلك كان على الوجوب فقد ظن غير الصواب، وذلك أن قول القائل: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا، محتمل من وجوه لأمر الإيجاب والإرشاد والندب والإباحة والإطلاق، وإذ كان محتملا ما ذكرنا من الأوجه، كان أولى وجوهه به ما على صحته الحجة مجمعة دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقية مدعية. وقد أجمعت الحجة على أن الله عز وجل لم يوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا على عباده فرض الوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك، ففي إجماعها على ذلك الدلالة الواضحة على صحة ما قلنا من أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل من ذلك كان على ما وصفنا من إيثاره فعل ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندب إليه عباده المؤمنين بقوله: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق }... الآية، وأن تركه في ذلك الحال التي تركه كان ترخيصا لأمته وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم، إلا من حدث يوجب نقض الطهر. وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أخبار: حدثنا ابن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقعب صغير، فتوضأ. قال: قلت لأنس: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم. قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد. حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، ثنا عيسى بن يونس، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن أبي غطيف، قال: صليت مع ابن عمر الظهر، فأتى مجلسا في داره، فجلس وجلست معه، فلما نودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ، ثم خرج إلى الصلاة، ثم رجع إلى مجلسه فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ، فقلت: أسنة ما أراك تصنع؟ قال: لا، وإن كان وضوئي لصلاة الصبح كافيا للصلوات كلها ما لم أحدث، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات "

، فأنا رغبت في ذلك. حدثني أبو سعيد البغداي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن هريم، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من توضأعلى طهر كتب له عشر حسنات "

अज्ञात पृष्ठ