1034

" إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها، فكل ما أمسكن عليك وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما حبسه على نفسه "

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما: حدثك به عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا عبد العزيز بن موسى، قال: ثنا محمد بن دينار، عن أبي إياس، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:

" إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي "

قيل: هذا خبر في إسناده نظر، فإن سعيدا غير معلوم له سماع من سلمان، والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان ويروونه عنه من قبله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

والحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم، كانت الجماعة الأثبات أحق بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم. وإذا كان الأمر في الكلب على ما ذكرت من أنه إذا أكل من الصيد فغير معلم، فكذلك حكم كل جارحة في أن ما أكل منها من الصيد فغير معلم، لا يحل له أكل صيده إلا أن يدرك ذكاته. القول في تأويل قوله تعالى: { فكلوا مما أمسكن عليكم }. يعني بقوله: { فكلوا مما أمسكن عليكم }: فكلوا أيها الناس مما أمسكت عليكم جوارحكم. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: ذلك على الظاهر والعموم كما عممه الله حلال أكل كل ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلمة من الصيد الحلال أكله، أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه، أدركت ذكاته فذكي أو لم تدرك ذكاته حتى قتلته الجوارح، بجرحها إياه أو بغير جرح. وهذا قول الذين قالوا: تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها أن تعلم الاستشلاء على الصيد وطلبه إذا أشليت عليه وأخذه، وترك الهرب من صاحبها دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته. وقد ذكرنا قول قائلي هذه المقالة والرواية عنهم بأسانيدها الواردة آنفا. وقال آخرون: بل ذلك على الخصوص دون العموم، قالوا: ومعناه: فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه. قالوا: فإن أكلت الجوارح منه بعضا وأمسكت بعضا، فالذي أمسكت منه غير جائز أكله وقد أكلت بعضه لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه على أنفسها لا علينا، والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كل ما أمسكته جوارحنا المعلمة عليه بقوله: { فكلوا مما أمسكن عليكم } دون ما أمسكته على أنفسها، وهذا قول من قال: تعليم الجوارح الذي يحل به صيدها، أن تستشلي للصيد إذا أشليت فتطلبه وتأخذه، فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئا، ولا تفر من صاحبها وقد ذكرنا ممن قال ذلك فيما مضى منهم جماعة كثيرة، ونذكر منهم جماعة آخرين في هذا الموضع. حدثنا المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: { فكلوا مما أمسكن عليكم } يقول: كلوا مما قتلن. قال علي: وكان ابن عباس يقول: إن قتل وأكل فلا تأكل، وإن أمسك فأدركته حيا فذكه. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن أكل المعلم من الكلاب من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته، فلا يأكل من صيده. حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي: { فكلوا مما أمسكن عليكم } إذا صاد الكلب فأمسكه وقد قتله ولم يأكل منه، فهو حل، فإن أكل منه، فيقال: إنما أمسك على نفسه، فلا تأكل منه شيئا، إنه ليس بمعلم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يسئلونك ماذا أحل لهم } إلى قوله: { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } قال: إذا أرسلت كلبك المعلم أو طيرك أو سهمك، فذكرت اسم الله، فأخذ أو قتل، فكل. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول: إذا أرسلت كلبك المعلم فذكرت اسم الله حين ترسله فأمسك أو قتل فهو حلال، فإذا أكل منه فلا تأكله، فإنما أمسكه على نفسه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الشعبي، عن عدي، قوله: { فكلوا مما أمسكن عليكم } قال: قلت يا رسول الله إن أرضى أرض صيد؟ قال:

" إذا أرسلت كلبك وسميت فكل مما أمسك عليك كلبك، وإن قتل، فإن أكل فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه "

وقد بينا أولى القولين في ذلك بالصواب قبل، فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره. فإن قال قائل: وما وجه دخول «من» في قوله: { فكلوا مما أمسكن عليكم } ، وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلال، «ومن» إنما تدخل في الكلام مبعضة لما دخلت فيه؟ قيل: قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية، فقال بعض نحويي البصرة حين دخلت «من» في هذا الموضع لغير معنى، كما تدخله العرب في قولهم: كان من مطر، وكان من حديث. قال: ومن ذلك قوله:

ويكفر عنكم من سيئاتكم

[البقرة: 271]، وقوله:

अज्ञात पृष्ठ