باب: مسألة: في الإرادة - وسأل عن: اختلاف الناس في الإرادة، فقال قائلون: إن إرادة الله فعل من فعله؟
قيل له: لو جاز أن يقال: إن إرادة الله تعالى هي فعل من فعله لجاز لقائل أن يقول: إن علم الله هو فعل من فعله، ولو جاز أن يقال: إن الله خلق إرادة بها خلق الأشياء لجاز لقائل أن يقول: إن الله خلق علما به علم الأشياء؛ فلما لم يجز هذا القول لقائله لم يجز أن يقال: إن إرادة الله مخلوقة بها خلق الأشياء.
فإن قال: فما الوجه في ذلك؟
قيل له: الوجه أن الله هو العالم القادر المريد لما يشاء، وبذلك وصف نفسه، ولا يجوز أن يوصف بغير ما وصف به نفسه، فإذا صح وثبت أنه هو العالم المريد صح أنها صفة قدرة، وهو القادر، وإنما نصفه بالقدرة كما وصف نفسه بالقدرة، فهو القادر المريد.
فلما كان هذا من صفاته فسد أن يكون فعلا، ولو كان فعل إرادة كان فعل قدرة، وعلما به علم وقدرة وإرادة؛ فلما فسد هذا فسد أن يكون فعلا.
ولما لم يجز أن يقال: له علم هو غيره به علم، وقدرة هي غيره بها قدر لم يجز أن يقال: له إرادة بها أراد هي غيره؛ لأنه قال: {إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون}، فلو كان فاعلا إرادة محدثة بها خلق، لم يخل أن يكون أحدث إرادة في نفسه أو في غيره.
فإن قال: أحدثها في نفسه؟ فليس هو محلا للحوادث.
فإن قال: إنه أحدثها في غيره كان ذلك الغير هو المريد.
فلما فسد هذان الوجهان صح أن الله لم يزل مريدا كما أنه لم يزل قادرا عالما.
पृष्ठ 96