जामिक
جامع ابن بركة ج1
ودليل آخر لنا أن دم العرق نجس، وكل دم من عرق وغيره فهو نجس لوقوع الاسم عليه، وإذا تعلقنا بأصلين، أحدهما: أن دم الحيض نجس، ودم الاستحاضة فهو دم عرق، فكل دم عرق أو غيره فهو نجس، إذا كان الدمان نجسين، وكل دم عرق فهو نجس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما قام دليله؛ وغسل الدم وغيره من الأنجاس عندنا واجب قليله وكثيره، ولا تجد فيه حدا لما روت أسماء بنت أبي بكر إنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت يا رسول الله: "إن دم الحيض قد يصيب الثوب، فقال عليه السلام: اقرصيه بالماء" فدم الحيض قد يصيب منه القليل والكثير، وهذا الخبر صحيح مع أهل الخلاف لنا في نقلهم، ومن خطئهم فيما ذهبوا إليه من تحديدهم في النجاسة قدر الدرهم والدينار في الكف واللمعة، وأن هذا المقدار لا بأس به عندهم مع العلم بكون النجاسة، وفي ظاهر هذا القول منهم من الوحشة ما يغني ذكره وحكايته عن الاحتجاج على قائله، ويردع الألباء عن التشاغل به وإظهار فساده، وبالله التوفيق؛ قال بعض المتفقهة من مخالفينا: إن المصلي إذا صلى بثوب فيه دم كثير وهو عالم بذلك أن صلاته جائزة وهو عاص لربه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الدم من الثوب للصلاة، وغسل الثوب لذلك تعبد، والدم ليس بنجس عنده، وأن المصلي عنده مطيع بالصلاة عاص لتركه أمر النبي صلى الله عليه وسلم في غسل الثوب، وهذا في الخطأ أعظم مما تقدمه، وقالت فرقة منهم أخرى: إذا لم يعلم بالنجاسة حتى صلى جازت صلاته، وإن علم بها قبل أن يصلي فسدت، واحتجوا بخبر أبي نعامة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بنعليه بعض صلاته وفيهما قذر، ثم علم فخلعهما وبنى على صلاته، وهذا القول فيه نظر، والحجة توجب إبطاله، ولأن الخبر أيضا واه عند أصحاب الحديث، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أي يصلي في الثوب الطاهر كما أمر أن يصلي المأمور بالصلاة وهو طاهر، وليس جهله بنجاسة في ثوبه يوجب عذره لأداء الفرض الذي عليه، ولو كان جهله بالنجاسة يوجب عذره إذا جهلها لكان له عذر في النجاسة إذا كانت في بدنه ولم يعلم بها، فلما اتفق الجميع أن الجاهل بحدثه حتى يقضي صلاته أن عليه إعادتها كان الجاهل بالحدث في ثوبه كذلك، إذا كان المصلي مأمورا بالتطهر للصلاة وطهارة الثوب لها لا فرق بينهما، والله أعلم.
وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا قولا يوافق قول من اعتمد على خبر أبي نعامة، وذلك إنه قال: إن استقبال العذرة للمصلي تفسد صلاته إذا علم بها قبل الصلاة، وإن علم وقد صلى بعض صلاته صفح بوجهه عنها وبنى على ما صلى، وهذا القول يلحقه عندي النظر ما لحق غيره والله أعلم.
واختلف الناس في الثوب الذي يصيبه الدم فيبقى أثره بعد الغسل، فقال قوم: لا يطهر إلا بزوال الأثر، وقال آخرون: إذا غسل فزال الطعم والرائحة فقد طهر، وقال آخرون: إذا يولغ في تطهيره حتى يتغير، وإن بقي له أثر فقد طهر، وهو قول أصحابنا، ولعمري إن غسل ذي اللون لا يوصل إلى تطهيره إلا هكذا، ولو كان يجب غسل النجاسة حتى تذهب بزوال أثرها وطعمها ورائحتها على قول من ذهب إليه من مخالفينا لوجب على المختضبة بالحناء النجس لا تطهر منه حتى يسلخ (¬1) جلدها، ولكان على الخاضب لحيته ورأسه بالحناء إذا حلته النجاسة أن يحلق لحيته ويقطع جلده، فإن قال قائل: فإن الله تبارك وتعالى لم يأمر بحلق اللحية إذا حلتها النجاسة، وإنما أمر بغسلها لأنه حرم حلق اللحى؟ قيل له: ولم يأمر بقطع الثوب وإنما أمر بغسله ونهى عن إضاعة المال، فإن قال: قطع الثوب ليس فيه كثير ضرر، قيل له: لم يبح لنا إدخال الضرر في المال والنفس، والله أعلم
باب في الصلاة على الجنازة
¬__________
(¬1) - في (ب) و (ج) تسلخ.
पृष्ठ 296