ومن هنا جاءت الآيات تترى تؤكد ليهود يثرب الذين يترقبون:
إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور (المائدة: 44)،
إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة (الصف: 6). مع احترام واضح حتى للتفاصيل التوراتية الصغيرة وتوقيرها والإشارة إليها في الآيات. كذكر شعيرة اليهود المقدسة التي كانوا يحملون بموجبها تابوتا يعتقدون أن ربهم يرقد بداخله، وجاء ذكر هذا التابوت في الآيات:
إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم (البقرة: 248)، أو مثل كتابة الله للتوراة (بإصبعه فيما تقول التوراة) على ألواح الشريعة:
وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة (الأعراف: 145). ثم تلا ذلك الموقف العملي للنبي عند حلوله كريما على يثرب لتستنير به وتحمل اسم مدينة الرسول المنورة؛ فقد استقبل مع أتباعه قبلة اليهود في الصلاة بل وصام معهم يوم كيبور/الغفران/«يوم غرق المصريين» وخروج بني إسرائيل من مصر، ثم عقد الصحيفة مع يهود يثرب للتعاون والدفاع المشترك، مع كفالة تامة لحرية الاعتقاد. وإعلان عدم التناقض العقدي بين ديانة يهود وبين ما جاء به محمد، وهو ما تنطق به آيات كثيرة من قبيل:
وهو الحق مصدقا لما معهم (البقرة: 91)،
وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم (البقرة: 139). وكان ذلك بالنسبة ليهود يثرب لونا من ممكنات مستقبلية تحول مركز الجزيرة وقلبها عن مكة إلى يثرب، وما سيعود نتيجة ذلك من منافع عظيمة ، لكنهم أبدا لم يروا محمدا النبي هو المسيح الإسرائيلي المنتظر، بينما كانت خطوات النبي تلك تسجل على الجانب الآخر تباعدا مؤقتا عن أهل مكة في إنذار واضح لقريش كي تغير موقفها.
وبمرور الوقت لم يبق وداد الود على حاله؛ فقد استمر يهود يثرب يهودا دون اندماج كامل يضمن لدولة المدينة تماسكها، ثم تأتي غزوة بدر الكبرى لتضع بيد المسلمين القوة المادية سلاحا ومالا، وتمنحهم الثقة النفسية والقوة المعنوية، وهكذا أذن فجر الأيام البدرية بمغرب مرحلة آن لها أن تغرب. وأخذت آيات القرآن تترى تحمل روح سياسة جديدة، تنسخ ما قد سلف من حرية اعتقاد تم السماح بها في ظرفها، آتية بجديد يوطئ لخلاص يثرب الكامل لدولة الإسلام؛ لأن الدين قد أصبح عند الله فقط هو الإسلام:
إن الدين عند الله الإسلام (آل عمران: 19)،
ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه (آل عمران: 85).
अज्ञात पृष्ठ