Islamic Oratory

الخطابة الإسلامية

प्रकाशक

المكتب الجامعي الحديث

संस्करण

٢٠٠٦

المقدمة:
الحمد لله الذي أتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ المبعوث رحمة للعالمين ... وبعد
ما أشد احتياجنا في هذا الزمن الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة إلى كوادر دعوية تصطفي اصطفاء يقوم على الصحة الجسمية والنفسية والخلقية، والاجتماعية، والعلمية، ولمن يريد أن يكون داعية يجب أن يسكن رسولنا الكريم ضميره، ويتبعه في عمله وتفكيره، والخطباء في حقيقة أمرهم دعاة وعليهم أن يعرفوا أن علو الكعب في الخلق، والطهر القلبي والنفسي، ورقة الذوق في الكلمة والنظرة، وخفض الصوت وإشراق الوجه بالابتسامة لغة عالمية تفتح بها الصدور المغلقة، والنفوس الحرجة؛ ذلك لأن الخلق الزكي لغة إنسانية عالمية تعجب وتقنع.
وهذا الكتاب عن الخطابة الإسلامية تكلمنا فيه عن الخطابة وتعريفها، وعناصرها، وطريقة الإقناع الخطابي، والصفات التى يجب أن يتصف بها الخطيب، كما تكلمنا عن تشعب خطب الوعظ الديني، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى نماذج مختلفة من الخطب في العصور المختلفة.
وهذا الكتاب لا يصنع خطيبا ولكنه مرشد لمن عنده استعداد للخطابة، ينهل من الخطب التى ذكرناها فصاحة اللفظ وبلاغة العبارة وعلى الله قصد السبيل.

1 / 5

الكوادر الدعوية:
الكوادر الدعوية ينبغى أن تُصطفى اصطفاء يقوم على الصحة الجسمية والنفسية، والعقلية، والخلقية، والاجتماعية، والعلمية، وفقْد واحدة من هذه الست يؤدي إلى تعويق في أداء الدعوة. فكلها يكمل بعضها بعضا، وتمثل شخصية الداعية السوي، وهؤلاء الدعاة يسيرون على خطا الأنبياء في هدايتهم لأقوامهم، والرسل والأنبياء اختيروا اختيارًا للقيام بواجب الرسالة.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١، والذين أورثوا الكتاب اصطفاهم الله من عباده؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٢، وعلى مدار التاريخ لم يبزر في مجال الدعوة إلا أصحاب المواهب العالية والإقبال الكبير على الله، وأصحاب الغيرة والنخوة. هؤلاء الذين تتجمع في تربيتهم وتكوينهم عوامل الأسرة بموروثها الديني، وحسها التربوي العالى، والجو الثقافي المحيط، والأساتذة بما يزرعونه من غيرة في الحفاظ على الدين.
التربية الخلقية:
ويأتى على رأس تربية الكوادر الدعوية: التربية الخلقية؛ لأن الدين نور يستضيء به رجل، فيشرق في قلبه، ويرى الناس هذا النور في قوله وعمله، فينجذبون إليه. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا

١ سورة آل عمران: الآيتان ٣٣، ٣٤.
٢ سورة فاطر: الآية ٣٢.

1 / 7

مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
وقد وصف الله لنا سيد الدعاة محمدًا ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢، ووصفته السيدة عائشة ﵂ حين سئلت عن خلقه ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن".
يقول ابن كثير: "ومعنى هذا: أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرا ونهيا سجية له، وخلقا تطبعه، وترك طبعه الجبليّ، فمهما أمَرَه القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم: من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لى: أفّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته، وكان ﷺ أحسن الناس خلقا، ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
هذا هو المثل الأعلى لمن يريد أن يكون داعية، إنه يجب أن يسكن رسولنا الكريم ضمائرنا ونتبعه في عملنا وتفكيرنا، وإلا عدَّ من لم يكن هكذا مدعيا لا داعية، إن علو الكعب في الخلق، والطهر القلبى والنفسي، ورقة الذوق في الكلمة والنظرة وخفض الصوت وإشراق الوجه بالابتسامة لغة

١ سورة المائدة: الآيتان ١٥، ١٦.
٢ سورة القلم: الآية ٤.
٣ اللؤلؤ والمرجان، حديث رقم ١٤٩١-١٤٩٢.

1 / 8

عالمية تفتح بها الصدور المغلقة، والنفوس الحرجة، ويستل بها من القلوب سخائمها؛ ذلك "لأن الخلق الزاكى لغة إنسانية عالمية تعجب وتقنع، وبهذه اللغة تفاهم الصحابة والتابعون مع الشعوب التى عرفوها، فدخل الناس في دين الله أفواجا، أي إن القدوة ليست دورا تمثيليا يؤدي إلى الخداع، واجتذاب المشاهدين، كلا. كلا. فحبل الكذب قصير. والقدوة الحسنة -فردية أو جماعية- تفرض احترام العقيدة والحفاوة بها. وهذه القدوة هي الحلاوة في الثمرة الناضجة، أو الرائحة الزكية في الزهرة العطرة، وهي نضج الكمال الذاتى الحق، وقد شاء الله أن يؤتى السلف الصالح أنصبة جزلة من هذا الحسن الذاتى: ففتحت لهم المدن العظام أبوابها، وألقت إليهم الجماهير بقيادها، وعالمية الإسلام تفرض على أتباعه أن يقدموا من سلوكهم الخاص والعام نماذج جديرة بالإكبار، أو على الأقل هي جديرة بدفع الناس للسؤال عن حقيقة الإسلام لمن لم يعرفوا هذه الحقيقة، وما أكثرهم في أرض الله١.
التثقيف إجمالا:
يجب على كل سالكي طريق الدعوة أن يتثقفوا عن طريق قراءة المتون المحيطة بمواد الشريعة الإسلامية، كما عليهم أن يتزودوا بالكتب النافعة حول الدعوة وأصولها والتفسير والحديث. وفي العلوم اللغوية يزودون ببعض كتب النحو والصرف والبلاغة والأدب وإعجاز القرآن.

١ تفسير ابن كثير، جـ٨ ص ٢١٥، ط الشعب.

1 / 9

علم الخطابة:
الخطابة علم له أصول وقوانين، من سار في طريقها عد خطيبا، وهو يعنى بدراسة طرق التأثير، ووسائل الإقناع، وصفات الخطيب، وما ينبغى أن يتجه إليه من المعاني في الموضوعات المختلفة، وما يجب أن تكون عليه ألفاظ الخطبة، وأسالبيها، وترتيبها. هذا العلم ينير الطريق، ولا يحمل على السلوك؛ فهو يرشد الدارس إلى دراسة مناهج، ومسالك، ولا يحمل على السير فيها.
علاقة الخطابة بالمنطق:
إذا كان علم المنطق يبحث عن القوانين التى تعصم الذهن عن الخطأ، فإنه يبحث أيضا عن أهواء النفس، وخواطرها وأسباب الغلط، وتسلسل الخواطر، وكل هذه الأمور تساعد الخطيب على أداء مهمته في التأثير والإقناع.
علاقة الخطابة بعلم النفس:
لا يصل الخطيب إلى إقناع السامعين إلا إذا استطاع أن يثير حماستهم، ويخاطب إحساسهم، ولا يمكن إلا إذا كان عليما بما يثير شوقهم، ويسترعي انتباههم، وذلك لا يكون إلا بعلم النفس، ومن هنا كان علم الخطابة له صلة بعلم النفس.
علاقة الخطابة بعلم الاجتماع:
يجب على الخطيب أن يكون ملما بسياسة الناس، وما يجب لكل طبقة من المعاملة، وما يلزم لكل نوع من الناس من خطاب، وعليه أن يكون عليما بروح الجماعة دارسا لأخلاقها فاهما لما يسيطر عليها، ولذا كان علم الخطابة صلته قوية بعلم الاجتماع.

1 / 10

الخطابة:
تعريفها:
من فنون النثر الأدبي فنٌّ لساني يلقى على جمهور السامعين، وهذا الفن النثري هو الخطابة، وللخطابة مجالاتها التي لا يمكن لأي فن أدبي آخر أن يغني عنها بحكم طبيعتها التي تلازمها على مدى العصور.
أنواعها:
تتعدد أنواع الخطابة بحسب مجالاتها المختلفة ولكن ما يهمنا الخطابة الدينية وهي التي تلقى في المساجد في صلاة الجمعة والعيدين، وفي المناسبات الدينية المختلفة للوعظ والإرشاد والحث على الاستمساك بالفضائل الإسلامية.
طرق تحصيلها:
لا شك أن الخطابة منصب خطير، لا يصل إليها طالبها بيسر، بل يحتاج طالبها إلى زاد عظيم، وصبر ومعاناة، واحتمال للمشاق؛ ليصل إلى تلك العناية السامية وطرق تحصيلها ما يأتي:-
١- فطرة تلائم الخطابة:
يستحب أن يكون الخطيب فصيحا طلق اللسان، ثابت الجنان، ذكي القلب، وأن تكون مخارج الحروف عنده صحيحة.
٢- دراسة أصول الخطابة:
لا شك أن هذه الأصول لا تكفي وحدها، بل لا بد أن يكون معها استعداد كامن، ومران شديد على الخطابة.

1 / 11

٣-قراءة كلام البلغاء:
ودراسته دراسة متعرف لمناص التأثير، وأسرار البلاغة، ومتذوق لما فيها من جمال الأسلوب وحسن التعبير، وجودة التفكير.
٤- الإطلاع على كثير من العلوم التى تتصل بالجماعات:
كالاقتصاد والشرع، والأخلاق، والاجتماع، وعلم النفس، والمعتقدات.
٥- الثروة الكثيرة من الألفاظ والأساليب:
الخطابة تحتاج إلى أن يعبر عن المعنى الواحد بعدة عبارات، وأساليب متغايرة.
٦- ضبط النفس واحتمال المكاره:
يستحب للخطيب أن يتذرع بالصبر، وضبط النفس، والسيطرة على أعصابه ومشاعره، كما عليه أن يقضي على كل مظاهر الاضطراب والانفعال والوجل؛ لأن ظاهرة الاضطراب والوجل تورث في الخطيب الحيرة، والحيرة تسبب له التلعثم والارتباك.
٧- الارتياض والممارسة:
رياضة النفس على الخطابة تكون بالارتياض على الفكرة والارتياض على الأسلوب والارتياض على الإلقاء، أما الارتباط على الفكرة فهو تعويد النفس على ضبط الأفكار، ووزن الآراء وتضنيف العناصر، وعقد الصلة بينهما وبين ما يجري في المجتمع من قضايا ومشكلات، وتعويد النفس على الاتصال بفئات البشر، والاندماج معها، والتعرف على أحوالها، أما الارتياض على الأسلوب فهو المران على التحدث ببليغ المقال، وفصيح

1 / 12

الكلام. وهذا لا يتأتى إلا بحفظ آيات من القرآن والأحاديث النبوية، وعبارات البلغاء قديما وحديثا، كما يجب على الخطيب مطالعة الكتب الفكرية والأدبية فهي عامل آخر لارتقاء أسلوبه، وجودة تعبيره، أما الارتياض على الإلقاء فيبدأ بتعويد اللسان عند النطق على إخراج الحروف من مخارجها، ثم قراءة كل ما يستحسنه بصوت مرتفع، ولهجة متزنة، مصورا بصوته معاني ما يقرأ بتغيير النبرات، وبرفع الصوت وخفضه، ثم بإلقاء الموضوع بينه وبين نفسه متصورا أنه أمام جمهور، ثم بإلقاء الموضوع أمام من يثق بهم من إخوانه، ثم بإلقاء الموضوع في محيط لا يعرفه فيه أحد غير هياب ولا وجل.

1 / 13

الآداب الخطابية:
يجب على الخطيب أن يتحلى بآداب عند إلقاء الخطبة، ومن هذه الآداب ما يتعلق بحاله هو عند إلقاء الخطبة، ومنها ما يتعلق بالسامعين.
الآداب الخاصة بالخطيب:
١- سداد الرأي: ويكون بدراسته دراسة تامة للموضوع الذي يخطب فيه.
٢- صدق اللهجة: وهو أن يظهر الخطيب مخلصا فيما يدعو إليه، وحريصا على الحقيقة، فإنه إن ظهر كذلك وثق الناس به، وصدقوه فيما يدعو إليه، وأحسوا بأنه شريف تجب إجابته؛ لشرفه وشرف ما يدعو إليه، ومن أجل أن يكون الإخلاص باديا، يجب أن يكون من حاله ما يطابق مقاله، فلا يتجافي عمله عن قوله، بل يكون أكثر الناس أخذا بقوله.
٣- التودد من السامعين: ويكون بالتواضع لهم، وأن يكون ممن يألفون، ويؤلفون؛ فلا يكون جافيًا خشنًا قاسيًا.
آداب الخطيب مع السامعين:
ينبغى على الخطيب الاتصال بنفوس من يخاطبهم، والقرب من قلوبهم، والناس مختلفون، عادات وأخلاقا ومهنة ومرتبة، ولكل طائفة من الناس أحوال، تقتضي نوعا من الخطاب، لا تقتضيه أحوال الجماعة الأخرى؛ وعلى الخطيب أن يلبس لكل حال لبوسها، ويعالج كل طائفة بأنجع دواء له؛ ليستقيم له الطريق، ويصل إلى غرضه.
صفات الخطيب:
١- الاستعانة بالله: الخطيب الناجح هو الذي يحرص على الاستعانة بالله في كل الظروف والأحوال فهو يستعين بالله في الإعداد، وحسن الأداء، وجمال الإلقاء.

1 / 14

٣- الإخلاص: الإخلاص هو روح الأعمال وسر قبولها وبه يجمع الله ﷾ القلوب، فالإخلاص عامل هام في النجاح والتأثير وينبغى على الخطيب أن يحذر من أمراض القلوب، وأن يبتعد عن الغرور والرياء وحب الظهور.
٣- القدوة الحسنة: ينبغي على الخطيب أن يكون قدوة حسنة، وأن يكون سلوكه قويما، وأن يعمل بما يقول، وأن يكون إماما فيما يدعو إليه.
٤- الشجاعة: لا بد أن يكون الخطيب شجاعا لا يخاف إلا الله وهو صاحب رسالة، ولذلك فالشجاعة ضرورية كذلك لتبليغ الحق المبين، وتجلية حقائق الإسلام، وعلاجه للمشكلات بكل وضوح وصراحة، ومحاربة الظلم، وفضح الباطل، وإقرار العدل.
٥- الموهبة: إن نجاح الخطيب في مهمته فيه جانب يكتسبه عن طريق كتب فنون الخطابة وآدابها، والاستماع إلى الخطباء، والاستفادة منهم.
وجانب الموهبة التى يمنحها الله للإنسان وذلك بحب الخطابة، والميل إليها والانسجام معها.
٦- قوة الملاحظة: يجب أن تكون نظرات الخطيب إلى سامعيه نظرات فاحصة كاشفة؛ يقرأ من الوجوه خطرات القلوب، ومن اللمحات ما تكنه نفوسهم نحو قوله؛ ليجدد من نشاطهم، ويذهب بفتورهم ولتتصل روحه بأرواحهم، ونفسه بنفوسهم.
٧- حضور البديهة: لتسعفه بالعلاج المطلوب إن وجد من القوم إعراضا، والدواء الشافى إن وجد منهم اعتراضا، وقد يلقي الخطيب خطبته فيعقب بعض السامعين معترضا، أو طالبا الإجابة عن مسألة، فإذا لم تكن البديهة حاضرة يجيب الخطيب إجابة سهلة موثقة وإلا ضاعت الخطبة، وآثارها.

1 / 15