इंतिसार
الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197
शैलियों
واعلم أن الذين نصبوا أنفسهم للفتوى، واقتعدوا درس العلماء، واشتهروا بالاجتهاد وطبقت مذاهبهم طبق الأرض ذات الطول والعرض، هم هؤلاء العلماء الثلاثة: مالك وأبو حنيفة والشافعي، فأما أحمد بن حنبل (¬2) وسفيان الثوري (¬3) فهما وإن بلغا درجة الاجتهاد، لكنهما لم يشتهرا كشهرة هؤلاء ولم يختصا بكثرة الأتباع مثلهم، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة قد نأى عن الصواب نظره، وانمحى عن رسم الحق أثره، إما في عقيدته وإما في أثناء تصرفه في المسائل الاجتهادية.
فنقول: أما مالك بن أنس فإنه لا يشق غباره في ضبط الأخبار وتمييز صحيحها ومعرفة قويها من ضعيفها، وكان شديد الاحتراز في الرواية والتصون في النقل وحصر وقائع الصحابة (رضي الله عنهم). ولا تدرك آثاره في انتقاد الرواة ومعرفة أحوالهم، وهو أول من عني في جمع الأحاديث وضبطها في كتابه (الموطأ) وكان كثير التعظيم للعلم، شديد الورع، خلا أنه استرسل في القول بالاستصلاح حتى أداه ذلك إلى إهدار الدماء، وإتلاف الأموال لمصالح إيالية(¬1) وانتهى حاله إلى تقرير أمور منوطة بالسياسة، حتى آل نظره في ذلك إلى أن قال: (اقتل ثلث الأمة في استصلاح ثلثيها)، وهذا يعد في الخطأ، فإنا نعلم بالضرورة من حال الصدر الأول انكفافهم عن مثل هذا وتصونهم عن الفتوى بمثل هذا، ونعلم من حالهم أنهم لا يتجاسرون على إراقة كف من دم إلا بحقها.
وأما الشافعي محمد بن إدريس، فنظره لا يجارى وفضله لا يبارى، في تقدير أصول الأدلة وتنزيلها منازلها وترتيبها على أحسن هيئة، وفي ذلك دلالة على سعة علمه وتبحره في علوم الشريعة مع حدة نظره وجودة ذكائه، وتشهد لفضله مسائله التي أنشأها، وعلله التي قررها واستنبطها، ولقد كان عمره يقصر عن إحراز مثل فضله، فاخترم وقد نيف على الخمسين، لكنه قال بالرؤية ونقلها عنه البويطي من أصحابه، وهذا خطأ في الاعتقاد. فإن كانت الرؤية مكيفة أدى ذلك إلى التشبيه؛ لأن المرئي لا يعقل إلا متحيزا أو حاصلا في المتحيز، وكله محال على الله تعالى، وإن كانت الرؤية غير مكيفة فهو لا يعقل على كلا الوجهين فلا يخلو عن خطأ.
पृष्ठ 180