عنان جارية الناطفي
اسمها: عنان بنت عبد الله عنان بكسر العين.
توفيت سنة ٢٢٦ نقلا من الأصفهاني، وجعلها إبن شاكر الكتبي في وفيات ٢٣٠، ذكر ابن النديم أن ديوانها يقع في عشرين ورقة.
النطافي أو النطاف: بائع الناطف، وهو نوع من الحلوى إسمه القبيط أيضًا، ولا يزال معروفًا في ماردين وما حولها ضمن الحدود التركية اليوم، وهذه الحلوى إذا باتت فقدت لذتها ونفاستها! قاله الدكتور مصطفى جواد.
لم أعثر على الاسم الكامل للنطافي، ويبدو أنه كان يكنى أبا حفص ديوان أبي نواس، وأورد عبد الله بن عبد العزيز البغدادي في كتاب الكتاب وصفة الدواة والقلم وتصريفها الأبيات التي رثت بها مولاها أنظر الرقم في كتابنا مشيرًا إلى أنها قالتها في: القاسم بن عبد الملك، ولم أعثر على ترجمة له، فهل كان هذا اسم النطافي؟!
1 / 27
ترجمة عنان وأخبارها في: الأغاني، طبقات ابن المعتز المختصر، ألورقة، الفهرست: كتاب الكتاب وصفة الدواة والقلم للبغدادي: ديوان أبي نواس: أخبار أبي نواس لابي هفان: الأربعة في أخبار الشعراء لابي هفان جمع وتحقيق هلال ناجي: الفقرة، ديوان العباس بن الاحنف: الإماء من شواعر النساء مجلة البلاغ: المحاسن والاضداد: نساء الخلفاء: بدائع البدائة تنظر الفهارس، نهاية الأرب، أخبار أبي نواس لابن منظور: البصائر والذخائر، عيون التواريخ مخطوطة حوادث، المستظرف للسيوطي: أعلام النساء: زهر الأداب: تلقيح العقول لبرية الرياضي مخطوطة: سمط اللالىء: تاريخ التراث العربي لسزكين بالألمانية قسم الشعر: كانت عنان: صفراء، مولدة، من مولدات اليمامة، وبها نشأت وأربت ثم إشتراها النطافي وهم الرشيد بابتياعها منه، فمنعه من ذلك إشتهارها، وما هجاها به الشعراء، وأخبارها في ذلك: تذكر بعد هذا.
وكانت أول من إشتهر بقول الشعر في الدولة العباسية، وأفضل من عرف من طبقتها، ولم يزل فحول الشعراء في عصرها، يلقونها في منزل مولاها فيقارضونها الشعر، وتنتصف منهم، وعتقت بعد وفاة مولاها إما بعتق كان منه لها أو بأنها ولدت منه.
فحدثني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال حدثنا عمر بن
1 / 28
شبة، قال حدثني أحمد بن معاوية، قال: سمعت أبا حنش يقول: قال لي النطافي يومًا: لو جئت إلى عنان فطارحتها، فعزمت على الغدو إليها، وبت ليلتي أجول ببيتين، ثم غدوت عليها، فقلت: أجيزي هذين البيتين! وأنشد يقول:
أحب الملاح البيض قلبي وإنما ... أحب الملاح الصفر من ولد الحبش
بكيت على صفراء منهن مرة ... بكاء أصاب العين مني بالعمش
فقالت:
بكيت عليها؟ إن قلبي أحبها ... وإن فؤادي كالجناحين ذو رعش
تعنتنا بالشعر لما أتيتنا ... فدونك خذه محكمًا يا أبا حنش
أخبرني عمر بن عبد العزيز، قال حدثنا عمر بن شبة، قال حدثني: أحمد بن معاوية قال سمعت مروان بن أبي حفصة يقول: لقيني الناطفي، فدعاني إلى عنان، فانطلقت معه، فدخل إليها قبلي، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس: مروان بن أبي حفصة! وكانت
1 / 29
عليلة، فقالت: إني عن مروان لفي شغل!، فأهوى لها بسوطه، فضربها به، وقال لي: أدخل! فدخلت وهي تبكي، فرأيت الدموع تتحدر من عينيها، فقلت:
بكت عنان فجرى دمعها ... كالدر إذ يسبق من خيطه
فقالت مسرعة:
فليت من يضربها ظالمًا ... تيبس يمناه على سوطه
فقلت للنطافي: أعتق مروان ما يملك إن كان في الجن والأنس أشعر منها! أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال حدثنا عمر بن شبة عن أحمد بن معاوية، قال: قال لي رجل، تصفحت كتبًا فوجدت فيها بيتًا جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجده، فقال لي، صديق لي: عليك بعنان جارية الناطفي، فأتيتها فأنشدتها:
وما زال يشكو الحب حتى حسبته ... تنفس من أحشائه أو تكلما
فلم تلبث أن قالت:
ويبكي فابكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعًا بكيت له دما
إلى أن رثى لي من كان موجعًا ... وأعرض خلو القلب عني تبرما
1 / 30
أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال حدثني: أحمد بن القاسم العجلي قال حدثني أبو جعفر النخعي قال:
كان العباس بن الأحنف يميل إلى عنان جارية الناطفي، فجاءني يومًا، فقال لي: إمض بنا إلى عنان، فصرنا إليها، فرأيتها كالمهاجرة له، فجلسنا قليلًا، ثم إبتدأ عباس فقال:
قال عباس وقد أج ... هد من وجد شديد:
ليس لي صبر على الهج ... ر ولا لذع الصدود
لا ولا يصبر للهج ... ر فؤاد من حديد
فقالت:
من تراه كان أغنى ... منك عن هذا الصدود
بعد وصل لك مني ... فيه إرغام الحسود!
فآتخذ للهجر إن شئت فؤادًا من حديد
ما رأيناك على ما ... كنت تجني بجليد
فقال العباس:
أو تجودين لصب ... راح ذا هم شديد
وأخي جهل بما قد ... كان يجني بالصدود
ليس من أحدث هجرًا ... لصديق بسديد
1 / 31
ليس منه الموت إن لم ... تصليه ببعيد
فقلت للعباس: وعلى م هذا الأمر؟! قال: أنا جنيت على نفسي بتتايهي عليها، فلم أبرح حتى ترضيتها له.
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال حدثني عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني مسعود بن عيسى، قال أخبرني موسى بن عبد الله التميمي قال: دخل أبو نواس على الناطفي وعنان جالسة تبكي وخدها على رزة في مصراع الباب، وقد كان الناطفي ضربها، فأومأ إلى أبي نواس: أن جربها بشيء، فقال أبو نواس:
عنان لو جدت لي فإني من ... عمري في أمن الرسول بما
أي في آخر عمري، لأن أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، آخر آية في البقرة.
فردت عليه:
فإن تمادى ولا تماديت في ... قطعك حبلي أكن كمن ختما
فرد عليها:
علقت من لو أتى على أنف ... س الماضين والغابرين ما ندما
1 / 32
فردت عليه:
أو نظرت عينه إلى حجر ... ولد فيه فتورها سقما
أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال حدثني: محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثني: محمد بن أبي مروان الكاتب، قال: لما أخذ أبو نواس من عنان جارية الناطفي خاتمًا فصه ياقوت أحمر، أخذه أحمد بن خالد حيلويه منه فطلبته منه عنان، فبعث إليها مكانه خاتمًا فصه أخضر، وإتهمته في ذلك، وكتب إلى أحمد بن خالد:
فدتك نفسي يا أبا جعفر ... جارية كالقمر الأنور
تعلقتني وتعلقتها ... طفلين في المهد إلى المكبر
كنت وكانت نتهادى الهوى ... بخاتمينا غير مستنكر
حنت إلى الخاتم منى وقد ... سألتني إياه مذ أشهر
فأرسلت فيه فغالطتها ... بخاتم وجهته أخضر
قالت لقد كان لنا خاتم ... أحمر أهداه إلينا سري
لكنه علق غيري فقد ... أهدى لها الخاتم لا أمتري
كفرت بالله وآياته ... إن أنا لم أهجره فليصبر
أو يظهر المخرج من تهمتى ... إياه في خاتمنا الأحمر
1 / 33
فاردده تردد وصلها إنها ... قرة عيني يا أبا جعفر
فإنني متهم عندها ... وأنت قد تعلم أنى بري
فرد الخاتم ووجهه إليه بألفي درهم.
وقرأت في كتاب لجعفر بن قدامة: بلغني أن عنان جارية الناطفي، دخل عليها بعض الشعراء، فقال لها الناطفي: عاييه! فقالت:
سقيًا لقا طول لا أرى بلدًا ... يسكنه الساكنون يشبهها
فقال:
كأنها فضة مموهة ... أخلص تمويهها مموهها
فقالت:
أمن وخفض وما كبهجتها ... أرغد أرض عيشًا وأرفهها
فانقطع الرجل.
حدثني عمي: الحسن بن محمد والحسن بن علي، قالا: حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال حدثني: محمد بن هارون عن يعقوب بن إبراهيم قال: كان أبو نواس بعد أن هجرته عنان وهجته، يذكرها في شعره، ويشبب
1 / 34
بها، فقال في قصيدة يمدح بها يزيد بن مزيد:
عنان يا من تشبه العينا ... أنت على الحب تلومينا
حبك حب لا أرى مثله ... قد ترك الناس مجانينا!
فقال له يزيد بن مزيد هذه جارية، قد عرض فيها الخليفة، وعلقت بقلبه فأله عنها، ولا تعرض نفسك له، فقال: صدقت أيها الأمير، ونصحتني، وقطع ذكرها!
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني أبو العيناء، عن العباس إبن رستم قال: دخلت أنا وأبان اللاحقي على جارية الناطفي في يوم صائف، وهي جالسة في الخيش فقال لها أبان.
لذة عيش الصيف في الخيش فقالت: لا في لقاء الجيش بالجيش.
فقلت لها معرضًا لها: ما أحسن ما قال جرير:
ظللت أراعي صاحبي تجلدًا ... وقد علقتني من هواك علوق
1 / 35
فقالت غير متوقفة:
إذا عقل الخوف اللسان تكلمت ... بأسراره عين عليه نطوق
ثم عرضت على الرشيد، فدخلت عليه تتبختر، فقال لها: أتحبين أن أشتريك؟ قالت: ولم لا أحب ذلك يا أحسن الناس خلقًا وخلقًا؟ فقال لها: أما الخلق فظاهر فما علمك بالخلق؟ قالت: رأيت شرارة، قد طاحت على ثوبك من المجمر، لما جاء الخادم بالبخور إليك فسقطت على ثوبك فأحرقته، فو الله ما قطبت لها وجهًا، ولا راجعت من جناها حرفًا! فقال لها: والله لولا أن العيون قد ابتذلتك إبتذالًا، مشتركًا كبيرًا، لاشتريتك ولكنه لا يصح للخليفة، من هذه سبيله! وردها إلى مولاها، فاشتراها طاهر بن الحسين بعد ذلك، وجعلها على خزانة طيبه، فقالت: عرضتني للغيرة! فاعفني من ذلك، وأجعل إلي كسوتك، ففعل.
وحدثني محمد بن القاسم الأنباري، قال حدثني أبي قال: قال أبو الحسن بن الاعرابي: إجتمع أبو نواس وداود بن رزين الواسطي وحسين بن
1 / 36