902

قلنا: لم قلتم بأن وجوب وقوعه ينافي وقوعه بقدرة العبد لاحتمال أن يكون وجوب وقوعه لوجوب وقوعه بقدرة العبد أي لا لسبق العلم بوقوعه كما علم وقوعه علم وقوعه بقدرة العبد. انتهى. ولقد أجاد، فإن منشأ وقوع الفعل ليس :غلا قدرة العبد لا العلم، فاي دخل له في وجوب وقوعه فتأمل هذا، ولا شبهة في أن تعميم القول لمنافاة سبق العلم للإختيار مستلزم للكفر كما اعترف به بن الحاجب في مختصر المنتهى، والقاضي العضد في شرحه، وغيره من الأولين والآخرين؛ لكن بعضهم حاول دفع النقض وبيان الفرق بين أفعال الباري تعالى وأفعال العبد كصاحب المواقف، ومن تبعه كالخيالي في حاشية شرح العقائد، وابن أبي شريف في حاشيته أيضا، وأما سعد الدين فهو وإن تعرض في شرح المقاصد لدفع النقص وبيان الفرق فقد أشار هنالك إشارة خفية إلى بعده، ولهذا لم يتكلف له في هذا الكلام المنقول عن شرح العقائد، ولنورد ما ذكروه وأخصر عبارة في ذلك ما ذكره الخيالي حيث قال ما نصه: وقد يجاب بأن الإختيار هو التمكن من إرادة الضد حال إرادة الشيء لا بعدها، وكان يمكن في الأزل أن تعلق إرادته تعالى بالترك بدل الفعل، وليس قبل تعلقها تعلق علم موجب، إذ لا قبل للازم بخلاف إرادة العبد فتدبر. انتهى. وغير خاف عنك أن هذا اختراع معنى للإختيار لم يقل به أحد، فهو باطل في نفسه فضلا عن أن يكون رافعا للبطلان عن غيره، وسيأتي الفرق المذكور، وعلى فرض كونه معنى صحيحا في نفسه فغايته المجاز، فيلزم أن الباري تعالى ليس مختارا إلا مجازا لاحقيقة، وكل ما كان ثبوته مجازا صح نفيه حقيقة، فيكون نفي الإختيار عن الباري حقيقة، وأنه كفر بلاشك، وأيضا فنحن نقول أن شبهة العلم جاءت من المجبرة في مقابلة الضرورة وكل شبهة كذلك فهي مطرودة عن تقاعد السمع، وإنما قلنا أنها في مقابلة الضرورة؛ لأنا نعلم أن الإنسان متمكن من ذبح نفسه ومتمكن من الأفعال التي هو عازم جازم على تركها، وهذا التمكن أمر معلوم عند كل أحد حتى عند أمثال المعترض، كما اعترف به كما سيجيء إن شاء الله تعالى، وإذا كان الإنسان متمكنا بما يعلم أنه لايفعله تمكنا معلوما بالوجدان فذلك جار في علم الله تعالى، وكما أن العبد إذا فعل ما علم أنه لايفعله لم يكن فعله مستلزماص لانقلاب علمه جهلا؛ لأنه إنما علم أنه لايفعله باختياره أي أنه يتركه إذا اختار تركه، فلا يقدح في علمه كونه فعله مختارا لفعله، وكذلك الباري تعالى بمعنىأنه لا يقدح في اختياره تعالى ولا اختيار عباده سابق علمه الأزلي بما سيكون بل يحقق ذلك؛ لأنه إنما سبق علمه بما سيكون اختيارا، فالقول بانتفاء الإختيار قدح في العلم في الحقيقة كما سنذكره، وأيضا فإن وجود العلم وعدمه على سواء بمعنى أنما لو فرضنا أن الله تعالى يعلم [482]الحوادث الجزئية كما هو قول بعض المعطلين لم يلزم منه على مذهب المجبرة كون العباد مختارين لأجل عدم العلم السابق، فكيف ألزمونا بالجبر لأجل ثبوته أي العلم السابق، وما كنا نظن أن أحدا من العقلاء يجعل عالمية الباري تعالى موجبة لعدم قادريته عزوجل ولا مؤثرة في أفعال خلقه، سمعنا هؤلاء الذين يظنون أنهم مفارقون للجهمية وقائلون بأن العباد متمكنون ولما سمعنا هذا منهم عرفنا حقيقة حالهم وأنهم هم الخلص من الجبرية، هذا وقد ظهر مما ذكرناه أولا؛ لأن ما ذكره الخيالي معدود في الخيالات الكاذبة، وأيضا فمناط الشبهة هو تجويز انقلاب العلم جهلا، فلو فرضنا أن الله تعالى فعل ما سبق علمه بعدم فعله، فإما أن يقولوا أنه يلزم الإنقلاب المذكور أو يقولوا أنه لايلزم إن كان الثاني فقد سقطت الشبهة من أصلها، وإن كان الأول فإما أن يقولوا أنه تعالى مختار في نفس ذلك الفعل المفروض، أو ليس بمختار لاسبيل إلى الثاني؛ لأنه كفر صراح، فبقى الأول وهوالمطلوب، وذلك جار في حق العبد فلا فرق؛ لأن ذلك الفرق الذي تخيله الخيالي وغيره غاية إثبات إمكان تعلق الإرادة في الأزل عند تعلق العلم السابق، وهذا لايستلزم ثبوت الإختيار فيما لا يزال على تقدير استحالة خلاف المعلوم ووجوب المعلوم، وأيضا فإمكان الحوادث كلها أزلي، كما اعترف به المعترض فيما سيأتي، وعلى هذا فالإمكان الذي ذكروه في تعلق إرادة الباري تعالى مجار في إرادة العبد أي أنه ثبت لها إمكان التلعق في الأزل وإلا لزم الإنقلاب من الإمكان إلى الإمتناع، وإلى الوجوب والفرق تحكم، وأيضا فلا معنى للإختيار عند أهل الإسلام إلا التمكن من الفعل والترك بمعنى أنه إن شاء فعل وإن شاء ترك، ونحن نقول: أن العبد بهذه المثابة، فما أوردته المجبرة قد جاء فيها وإلزاما بالجبر في أفعال العبد فذلك جار في أفعاله تعالى وما في العدول إلى تعريف الإختيار بهذا المعنى الجديد غلا مجرد القول بانتفاء الإختيار في حقه تعالى بالمعنى الحقيقي المشهور، وفي ذلك قباحة لاتخفى بل هو كفر كما اعترف به ابن الحاجب، والعضد، وغيرهما، وما أشبه هذا العدول إلى تعريف الإختيار بعدول الفلاسفة إلى تعريف المختار بأنه من إن شاء فعل وإن يشياء لم يفعل، إذ نفوا اختياره تعالى بامعنى الحقيقي الصحيح فلم ينفعهم عدولهم ولم يتجاوزا اختيارهم عن اللفظ والعبادة باتفاق المتكلمين المثبتين للقادر المختار، والأمر هذا كذلك، وأيضا ففي قوله وكان يمكن ...إلخ، إشعار بأن التعلقات الأولية اختيارية وهو ظاهر الفساد .

أما أولا: فلأن الأزل برئ عن الأمور الإختيارية.

पृष्ठ 1024