इहतिरास
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
ومما يوضحه ماروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((يقول الله عزوجل كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد)) كذا ذكره القرطبي في شرح الاسماء الحسنى، ولا خفاء في أنه لو كان تعالى هو خالق أفعال ابن آدم والموجد لهذا القول من التكذيب والشتم لبطل معنى هذا الحديث، بل نقول: أن الذي قال أن الله تعالى هو الموجد لقول من قال بنفي المعاد واتخاذ الولد فهو الذي شتم الله وكذبه سبحانه فإنه نسب إليه تعالى ما نزه نفسه عن الأمر به، وادعى أنه هو الموجد له والمؤثر فيه، لايحصله غيره تعالى، وأين الإيجاد والتحصيل من الأمر فسبحان الله عما يصفون، وهل يتجاسر عاقل على أن يقول بما يلزم منه أن الله تعالى هو الذي كذب نفسه وشتمها تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا؛ وذلك لأن مقتضى قاعدة الجبر أن التكذيب لا يكون إلا بالنسبة إلا الأخذ؛ لأنا نقول: أن التكذيب والشتم تكذيب وشتم في نفس الأمر أعم مما هو في أفعال العبد، أو في أفعال المعبود كما قالوا في الكسب لم يتصور أن يسند التكذيب والشتم إلى الله تعالى لاسيما في الكلام اللفظي الحادث؛ لكنه يلزم من ذلك أنه تعالى ما كذب المشركين ولا شتم المنافقين، والنص بخلافه في الكتاب المبين، ومما يوضحه أيضا قوله تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون} فإن الله تعالى لو كان هو الذي جعل الأصنام كما ...........وجعلها معبودة لعبادها بحيث أنه تعالى هو الذي أوجد اتخاذهم لها آلهة من دونه تعالى لما صدقت الآية المذكورة؛ لكن اللازم باطل فطعا واتفاقا، فالملزوم مثله، وما يقال من أن المراد من هذه [432]الآية، اسأل هل حكمنا بعبادة الأوثان؟ فلا ينفع المجبرة؛ لأنه إذا كان هو الذي جعلها آلهة تبعد فقد قضى بذلك وحكم به، فلا ينفعهم هذا التأويل.
ومما نوضحه أيضا قوله تعالى: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين} ولا خفا في أن من قال أن الله تعالى هو الذي خلق منهم التحريم وأوجده فيهم بقدرته وإرادته كما هو مذهب المعترض وأصحابه الأشاعرة أعظم افتراء ممن أضاف التحريم إلى الله بطريق الأمر والنهي لاسيما عند الأشاعرة القائلين بأن الأمر والنهي لايستلزمان الإرادة والكراهة، ثم إنه قال تعالى فيما بعد هذه الآية من الآيات: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} فالآيتان قد نطقتا بذم المجبرة، الأولى: في خلق الأفعال.
पृष्ठ 923