इहतिरास
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
ثم أجاب رحمه الله تعالى بأن الأصنام جواهر وأشكال، وأن المخلوقات لله منا غير المعمول لهم إذ المخلوق له تعالى هي الجواهر، والمعمول لهم ما تعلقت به قدرتهم، وهي الأعراض والأشكال، فزال الإشكال وارتفع السؤال[413]وصار معنى الآية الكريمة هكذا، والله خلقكم وخلق الأحجار التي تعملونها أصناما كقولك الله تعالى هو الذي خلق الباب والكرسي والذي عملهما النجار، فانصرف معنى الخلق إلى نفس الخشب، والعمل إلى نفس أثر النجار، من التربيع والتسوية على الكيفية المخصوصة، ولاشك أن أثر النجار مستأخر بزمان عن خلق الله تعالى لذات الباب والكرسي، فلا يكون المعنى أن الله خلقهما في حال عمل النجار ولابعده، ولا أن يراد أن الله خلق الجواهر قبل النجارة، والأعراض والأشكال في حالها؛ لأنه مع فساده مستلزم للإضمار بلا حاجة إليه، بل الحاجة إلى خلافه، لئلا يلزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، والجبر المحض واختلال معنى الآية وظهر مراد جار الله، وأنه لايلزم أن يجتمع المؤثران على أثر واحد، كما لم يلزم كون الشيء الواحد مخلوقا لله تعالى معمولا لغيره أصلا، وهو بين لا يخفا على منصف.
وإذا الينات لم تغن شيئا ... فالتماس الهدى بهن عناء
{إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون، ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} وبهذا الذي ذكرناه يلوح لك ما في كلام المعترض من المصادرة؛ وذلك أنه لايتم له دلالة الآية على خلق الأعمال إلا إذا كان الخلق واقعا على الأشكال كالجواهر؛ لكنه لايصح ذلك إلا إذا كانت الأشكال معمولة لهم، عندهم لايصح أن يكون الخلق واقعا عليها إلا إذا صح أن يكون الخلق واقعا على عين عمل العباد؛ لكنه لايصح ذلك إلا بعد صحة قاعدة الجبر، وجواز كون الشيء الواحد مخلوقا لله تعالى معمولا للعبد فظهر الدور المحال.
فإن قلت بل المصادرة في كلام صاحب الكشاف على الوجه الذي قررته؛ لأنه زعم أنه لا معنى لإضافة العلم إليهم في قول الله تعالى وما تعملون له لا إضافة التأثير، وهذا عين مذهبه ومذهب المعتزلة، وأما الأشاعرة فإنهم يقولون: أن إضافة العلم إليهم في الآية المذكورة إنما هي إضافة الكسب والإكتساب، لا إضافة التأثير والإيجاد والتحصيل؟
पृष्ठ 906