इहतिरास
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
واعلم أن كثيرا من الناس قد اغتروا بالمقدمة القائلة لا استحالة في كون الشيء الواحد واجبا جزاما من جهتين: كالصلاة في الدار المغصوبة، فقالوا: في هذا المقام لا استنحالة في كون الرضى بالكفر واجبا جزاما من جهتين وحيثيتين، وهذا باطل؛ لأنه يستلزم المحال وهو الجمع بين النقيضين، وتحقيقه أن المكلف يصير مأمورا بالجمع بين وجود الشيء وعدمه كالرضى بالكفر والصلاة في الدار المغصوبة فهو بمثابة أن يقال اجمع بين وجود ذلك وعدمه وأنه محال، وسواء في ذلك اعتبار حيثية وجهة أو وجهتين أو ألف جهة وحيثية كما سنذكره في مسألة تكليف ما لا يطاق، فإن المنزع واحد وسر ذلك أن متعلق الأمر والنهي لا يكون في الخارج إلا شخصيا فأكوان الصلاة المطلوبة مثلا شخصية وكذا الرضى بالقضاء والواحد بالشخص يمتنع أن يكون مأمورا به، ومنهيا عنه لامتناع الجمع بين وجوده وعدمه، وملاحظة الجهات والحيثيات لا يجدي نفعا، بل ذلك لغو، وإنما اغتر من اغتر بتلك المقدمة المذكورة لذهابهم إلى أن متعلق التكليف في الأمر والنهي هو الجنس لا الشخص، وقد غفلوا عن كون الجنس من حيث كونه جنسا عقلي لا ينصرف وجوده في الخارج فلا يصح طلبه، والتكليف به أصلا، وإنما المكلف به هو الجنس مع ضم مشخصاته فهو من أفراد الجنس في الحقيقة، ولا منافاة بين هذا، وبين قولنا أن المطلوب من المكلف هو الماهية.
وأما القول: بأنه لا امتناع في أن الفعل الواحد يطابق ماهية المأمور به، ويطابق ماهية المنهي عنه، فباطل لاستلزامه الدور المحال؛ لأن صدقهما -أي الماهيتين- على الفعل الواحد متوقف على صحة طلبه والنهي عنه، فلو علل به لزم الدور، وقد وقع للآمدي، وابن الحاجب، والعضد وغيرهم ما وقع من التهافت في هذا المقام مع اعترافهم في الرد على أبي هاشم في من توسط أرض الغير بأنه يتعذر الامتثال، وهذا بعينه لازم لهم في الصلاة في الدار المغصوبة كما لا يخفى على ذي نظر صادق، وفهم سابق باسق
पृष्ठ 494