430

أقول: هو في هذا البحث كمثل الذي استوقد نارا فلما أصاب ما حوله ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، ولهذا قال: {ظلمات بعضها فوق بعض}، وقد قدم هذه الجمل من كلام المؤلف توهما منه لتناقضها، ولا غرو أن يتوهم هذا الوهم الفاسد فيرى أنها ظلمات بعضها فوق بعض، وقد قال أن التكاليف بأسرها إنما تدور على الأوهام الفاسدة، فهذا من ذاك ولا تناقض إلا في وهمه الفاسد لا في هذه الجمل، وكانت مواضعها أحق بالكلام عليها فيها، لكنه قدم هاهنا شرها منه بالاعتراض على غير أساس واستعجالا على السكر بسلاف الأسلاف في التعصب والإلباس قبل أن يدور عليه الكأس فهو كما قال بعض الناس:

اسكر بالأمس إن عزمت على السكر ... غدا أن ذا من العجب

فقد انتقل ذهنه من النظر الذي هو أول الواجبات العقلية عند العدلية إلى النظر في المسائل الفرعية العملية، ومثل هذا التخبط في النظن لا يجزي ممن له مسكة عقل ونظر، وسيأتي له ما أعجب من هذا وأغرب عند ذوي الفطن والفكر، وأنا كثير العجب من غفلته عن سهذه العبارة التي نقلها هنا وذلك نتيجة خذلانه، فإن قوله: إن أدى خطأوه إلى الجهل بالله إلى قوله: كافر لا يلائم قوله: إذا اختلفا في حكم فرأي أحدهما تحريمه .. إلخ.

فإن هذا في سائر الأحكام الشرعية، والأول في معرفة الله وصفاته التي يجب النظر فها عقلا عند جميع العدلية وبينهما بون، فهنا نقول له بما قيل:

قد عرفناك باختيارك ... إذ كان دليلا على اللبيب اختياره

ومن هذا الخبط الفاحش قوله: وذهب إلى أنه يجب على كل واحد منهما العمل بمقتضى رأيه.

وقوله: ذهب في الصفل الرابع من أول كتابه إلى أن النظر فرض عين، فانظر إلى هاتين الغلطتين المتتابعتين في مكان واحد على نمط واحد لتعرف أنه في واد والحقائق في واد آخر.

पृष्ठ 479