इहतिरास
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
قلت: إذا تدبرت تنكير حجة في قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة...}الآية، لاح لك المقصود بلا شبهة، فتدبر وليس الأمر بخفي، فقد قال الرازي في المحصل عند ذكره فوائد البعثة ما نصه: ولنذكر فوائد البعثة على التفصيل فنقول: قد عرفت أن الأمور قسمان منها ما يستقل العقل بإدراكه ومنها ما لا يستقل كعلمنا بافتقار العالم إلى الصانع الحكيم، وفائدة بعثة الرسل في هذا النوع تأكيد دليل العقل بدليل النقل وقطع عذر المكلفين من كل الوجوه على ما قال الله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، وقال تعالى: {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} فبين الله تعالى أنه بعث الرسل لقطع الحجة. انتهى كلامه، وهو جار على ما ذكرناه، وفيه اعتراف تام بالعلة والغرض حيث صرح بأن بعث الرسل لقطع الحجة وهل هذا إلا مذهب القائلين بتعليل أفعاله تعالى وأنه يفعل الفعل لغرض مقصود منه، ونفاة الحكمة لا يقولون بذلك [625] بل هو عندهم مستحيل لأنه استكمال بالغير على ما قالوه أخذا من كلام الفلاسفة، فإيراد المعترض لهذه الآية وبال عليه وخدش عائد إليه.
قوله: وعندنا جائز. تصريح بما ادعيناه سابقا.
ولنزده إيضاحا في هذا المقام فنقول: قولك: إنه جائز عندكم، إما أن تريد به أن تعذيب العباد حال بثبوت الحجة جائز من الله تعالى، وإما أن تريد أنه جائز لأنها لا تقوم لهم حجة وأن لله الحجة البالغة.
إن أردت الأول فقد لزمك مخالفة مذهبك بل لزمك الكفر لأنك جوزت أنه تعالى يعذب من له الحجة عليه تعالى وذلك رد لآيات عديدة.
وإن أردت الثاني لم يبق لك في هذه الآية دليل ولا شبهة لأنك قد اعترفت بأن الحجة لازمة للعباد ولو لم يرسل تعالى إليهم رسولا ولم ينزل كتابا وهل هذا إلا ما نسبته إلى خصمك وقلت إن مذهبه في القول بأن العقول مستقلة يقتضي أنه لا يبقى له حجة في عدم إرسال الرسول، وعلى هذا فقد قلت بمذهب خصمك وزدت عليه تضليل عقلك ونفيك لحكمة الله تعالى وهو أثبت حكم العقل وحكمة الله فهو خير منك مقاما وأقوم قيلا، فدع تطويلا وتأصيلا.
هذا ولم يقنع المعترض لنفسه بهذه المناقضة وحدها بل زاد عليه.
पृष्ठ 1315