हयात शर्क़
حياة الشرق: دوله وشعوبه وماضيه وحاضره
शैलियों
أباة الضيم نمنع كل عار
فيظهر من ذلك أصل الحلوف العربية أنها كانت أنظمة عرفية غايتها إنصاف المظلوم من الظالم وحماية الغريب المسلوب من الوطني السالب. أما الحلف العربي الذي ظهر في السنين الأخيرة فلم تكن غايته إلا خدمة السياسة الأجنبية، ولم نسمع بحلف يكون لرد غارة الأجنبي الفاتح أو لحماية الوطن من اعتداء صارخ، إذ العرب لا يتحدون ضد الأجنبي ولكنهم يمالئونه للقضاء على أنفسهم ، فهم يأبون الحلف حيث يجب الحلف ويسعون إليه حيث يكون ضد مصلحتهم.
وكان الملك حسين قبل أن يفقد عرشه في مكة ينادي بحلف عربي، بل بالغ في الأمر فنشد الوحدة العربية، ولكن الواقفين على بواطن الأمور يعلمون أن دعوته لم تتعد حد التمني، ولم يكن الحسين يعني ما يقول لأنه يعلم أنه مهما نادى فلن يتعد نداؤه آذان الحجاز وشرق الأردن وفلسطين، وإن كانت المملكتان الأخيرتان تحت الحماية الإنجليزية، أما العراق فهو حتما أجنبي عنه وعن دعوته. فالوحدة العربية التي نادى بها الحسين قبيل هجوم ابن سعود عليه كانت خيالا، لأنها إن لم تضم عامة أمراء الجزيرة فلا تعد وحدة. واجتماع كلمتهم في عهد الحسين كان محالا، لأن اليمن لا يعترف له بنفوذ، وابن سعود يتحفز للهجوم عليه والقضاء على ملكه، وإمارة العسير في حكم الأدارسة وواقعة تحت نفوذ الإنجليز، وأمراء البحرين وإمام عمان ومسقط وشط العرب وكل السلاطين الذين على الخليج الفارسي كسلطان لحج والأمير خزعل وغيرهم لا يلبون هذا النداء لأنهم لا مصلحة لهم في الحلف، وهم يطيعون أوامر القنصل البريطاني، ومعظمهم ألهاه الغنى أو المرتب الذي يتقاضاه عن المسائل السياسية. فكيف يوجد حلف عربي أو وحدة عربية وكل الممالك التي يؤلف منها خاضعة لحكم الأجنبي ومغلوبة على أمرها؟ وكل حلف لا يدخله الإمام يحيى لا يعد حلفا، وبعد زوال الملك حسين كل حلف لا يدخله ابن سعود والإمام يحيى لا يعد حلفا، وإذا رأى صغار السلاطين والأمراء في الشرق والجنوب الشرقي كبار الجزيرة يأتلفون فهم لا شك يقلدونهم وينضمون إليهم.
وكان الملك حسين في الفترة التي دعا إليها للحلف العربي يبغض ابن سعود ويخشاه، يخشاه لأن ابن سعود كان يهاجم شرق الأردن وقد هزم الأمير عبد الله في وقعتين ويهدد فلسطين، والحسين يعرف قوته وبأسه، وكان يبغضه لأنه رأى أنه رجل المستقبل في الجزيرة بعد أن خاب هو في سياسته وحربه وبعد أن جر الخراب على العرب والأتراك معا، فكانت دعوته إلى الحلف العربي بمثابة الخدعة لنفسه والإيهام لغيره بأنه لا يزال الزعيم المفدى والمنقذ المرتقب. فذهبت صيحته صرخة في واد.
الخلافة والملايين
لما توفي الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق، وخليفة المسلمين لبضعة أيام، وسجين قبرص تحت إمرة صديقه ستورز، وطليق مرض الموت الذي لجأ أثناءه إلى عمان التي يحكمها ولده عبد الله ويزوره فيها الملكان فيصل وعلي والأمير زيد، لما توفي المذكور في يونيو سنة 1931 ودفنوه في قبر في بيت المقدس (كأن دفن المشهورين من المسلمين صار خطة تقتدى أو «مودة» تتبع بعد دفن المغفور له محمد علي الهندي)؛ أخذ كتاب العرب وغيرهم يتبارون في الكتابة عن الرجل كعادتهم ليقول كل منهم كلمته، فأجمع كلهم على أن الرجل كان حسن النية في ثورته ولكن الحظ خانه ورجال السياسة من الحلفاء خدعوه وضحكوا على لحيته، ولكنه لم يخدع مجانا بل خدع مقابل بضعة ملايين من الجنيهات وصلت إلى يده ويد قومه والمحاربين من أتباعه والجواسيس والخونة وغيرهم ممن التفوا حوله في ظروف الحرب الحرجة، وهم أشبه الأشياء بالطيور الجارحة التي تحوم حول الرميم والجيف. (انظر كتاب «الثورة في الصحراء» تأليف لورنس، طبع لندن سنة 1927، وهو وجيز لكتاب «عمد الحكمة».)
وقد جمعتنا مجالس شتى برجال ممن عرفوا الحسين وعاشروه واختلطوا به وساعدوه في عمله أو نصحوه في أثناء قيامته وحذروه من المستقبل القريب والبعيد، فكان الوصف الذي ظفر به من معظمهم هو العناد وشدة المراس في أفكاره التي تنبت في ذهنه المريض، والاعتداد بالنفس إلى درجة بعيدة جدا.
وكان يظن نفسه أعظم الناس طرا، وأقدرهم في مواطن السياسة والتدبير والحرب، وأن الإنجليز وغيرهم لا يقدرون على خداعه. ونسب إليه أحد المقربين منه أنه قال أثناء الحرب:
إن الحلفاء الآن محتاجون إلينا أشد الاحتياج، فيجب علينا أن نستغل احتياجهم بأقصى ما نستطيع من وسائل الاستغلال، لأنه سيأتي يوم يستغنون هم فيه عنا، وحينئذ يلفظوننا لفظ النواة.
رواها الريحاني وأرسلان والخطيب.
अज्ञात पृष्ठ