فلما ذكر لهم ما رابه من أمر اليهود ومن اعتزامهم الغدر به وتنبهوا إلى ما كانوا رأوا، آمنوا بنفاذ بصيرة الرسول وما أوحي إليه. وبعث النبي يدعو إليه محمد بن مسلمة وقال له: «اذهب إلى يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي؛ لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي. لقد أجلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه.» وأبلست
2
بنو النضير، فلم يجدوا لهذا الكلام دفعا ولم يحيروا عنه جوابا إلا أن قالوا لابن مسلمة: «يا محمد، ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل من الأوس.» وذلك إشارة إلى تحالفهم وإياهم من قبل في حرب الخزرج. فكان كل ما أجاب به ابن مسلمة: «تغيرت القلوب.»
ومكث القوم على ذلك أياما يتجهزون وإنهم لكذلك إذ جاءهم رسولان من عند عبد الله بن أبي يقولان: لا تخرجوا من دياركم وأموالكم، وأقيموا في حصونكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم. وتشاورت بنو النضير في مقالة ابن أبي وهم أشد ما يكونون حيرة؛ فمنهم من لم يكن له بابن أبي أية ثقة. ألم يعد بني قينقاع من قبل مثل ما يعد بني النضير اليوم، فلما جد الجد تخلى عنهم وولى مدبرا؟ وهم يعلمون أن بني قريظة لا ينصرونهم لما بينهم وبين محمد من عهد. ثم إنهم جلوا عن ديارهم إلى خيبر أو إلى محلة قريبة، استطاعوا أن يعودوا حين يثمر نخيلهم إلى يثرب، يجنون ثمره ويعودون أدراجهم فلا يكونون قد خسروا كثيرا. قال كبيرهم حيي بن أخطب: كلا بل أنا مرسل إلى محمد: إنا لا نخرج من ديارنا وأموالنا، فليصنع ما بدا له، وما علينا إلا أن نرم حصوننا ندخل إليها ما شئنا، وندرب أزقتنا وننقل الحجارة إليها، وعندنا من الطعام ما يكفينا سنة، وماؤنا لا ينقطع، ولن يحصرنا محمد سنة كاملة. وانقضت الأيام العشرة ولم يخرجوا من ديارهم.
فأخذ المسلمون السلاح وساروا إليهم فقاتلوهم عشرين ليلة، وكانوا أثناءها إذا ظهروا على الدرب أو الديار تأخر اليهود إلى الديار التي من بعدها بعد تخريبهم إياها. ثم أمر محمد أصحابه أن يقطعوا نخل اليهود وأن يحرقوه حتى لا تبقى اليهود في شدة تعلقها بأموالها تتحمس للقتال وتقدم عليه. وجزع اليهود ونادوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟! وفي ذلك نزل قوله تعالى:
ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين .
3
وعبثا انتظر اليهود نصر ابن أبي أو تقدم أحد من العرب لنجدتهم، حتى لم يبق لديهم ريبة في سوء مصيرهم إذا أصروا على متابعة القتال. فلما ملأ اليأس قلوبهم رعبا، سألوا محمدا أن يؤمنهم على أموالهم ودمائهم وذراريهم حتى يخرجوا من المدينة. فصالحهم محمد على أن يخرجوا منها، ولكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال أو طعام أو شراب، وليس لهم غيره. واحتمل اليهود على رأسهم حيي بن أخطب، فنزل خيبر منهم من نزل وسار آخرون إلى أذرعات بالشام، وتركوا وراءهم للمسلمين مغانم كثيرة من غلال وسلاح بلغ خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا، ثم كان ما خلت اليهود من الأرض التي كانوا يملكون خير ما غنم المسلمون. على أن هذه الأرض لم تعتبر أسلاب حرب، ولذلك لم تقسم بين المسلمين، بل كانت لرسول الله خاصة يضعها حيث يشاء. وقد قسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار بعد أن استبقى قسما خصصت غلته للفقراء والمساكين. وبذلك أصبح المهاجرون في غنى عن معونة الأنصار. وأصبح لهم مثل ثروتهم. ولم يشترك في القسمة من الأنصار إلا أبو دجانة وسهل بن حنيف، فقد ذكرا فقرا فأعطاهما محمد كما أعطى المهاجرين، ولم يسلم من يهود بني النضير غير رجلين أسلما على أموالهما فأحرزاها.
ليس من العسير أن يقدر الإنسان قيمة نصر المسلمين وإجلاء بني النضير عن المدينة بعد الذي قدمنا من تقدير الرسول - عليه السلام - لما كان يخلقه بقاؤهم من تشجيع عوامل الفتنة، ومن دعوة المنافقين إلى أن يرفعوا رءوسهم كلما أصاب المسلمين شر، ومن التهديد بالحرب الأهلية إذا غزا المسلمين غاز من الأعداء. وفي جلاء بني النضير نزلت سورة الحشر، وفيها:
ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون * لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون
अज्ञात पृष्ठ