مجدي، أنا آسفة.
مجدي (وقد صحا من خياله) :
آسفة؟ أنت آسفة؟ أتعلمين منذ كم سنة أريد أن أقول هذا الكلام؟ أتذكرين يوم كنا نلعب الكرة في الشارع ووقعت وجرحت واهتممت أنت بالجرح؟ لعلك لا تذكرين؛ لأن رعاية الناس شيء في طبيعتك، ولعلك لا تذكرين لأنه من الطبيعي أن تهتمي بجرح ابن خالتك ولكن أنا أذكر، ولن أنسى. أردت أن أقول لك يومذاك إنني سأكون أعظم إنسان في العالم من أجلك، وكنت أظن يومذاك أن أعظم إنسان في العالم هو الضابط، ثم رأيتك لا تهتمين بالمظهر قدر اهتمامك بالحقيقة، ورأيتك عقلا مشرقا وعاطفة تشف، فقلت هو العلم ما تريد فكنت الأول، وكنت الأول في الليسانس، وخلتني يومذاك أستطيع أن أقول لك ما قلته الآن؟ ولكنني في طريقي إليك بعد أن عرفت النتيجة، وبعد أن عرفت أنني الأول وبعد أن عرفت أنني سأعين معيدا في الكلية، في طريقي إليك بعد أن عرفت هذا جميعه سمعت اثنين يتحادثان فإذا أحدهما يقول للآخر: وما الشهادة العالية؟ ورقة لا قيمة لها، المهم هو المال. لم أكمل طريقي وإنما عدت إلى الكلية، واعتذرت عن العمل بها، واشتغلت بالمحاماة وانقطعت عن زيارتك إلا نادرا حتى لا تكشفي ما أحاول أن أخفي. كنت أعمل يومي كله فلا أنام، وكنت أظل مع القضية الخاسرة حتى تصبح رابحة، وكنت شريفا فيما أقبل من القضايا، وحين وصلت إلى المال، وإلى الشهرة، وحين كنت في طريقي إليك لأقول لك ما قلته الآن عرفت أنك خطبت، فلم أقل؛ وأصبحت أعمل لأنسى لماذا كنت أعمل قبل أن يخطبك الدكتور، كنت حزينا أعرف أنك سبب حزني، وما كان لي أن أغضب منك فأنا لم أقل لك شيئا، وكنت حاقدا على خطيبك ولكنني ساخط على حقدي، فالرجل بريء لم يكن يعرف ما بنفسي، ولم أعرف شعورا أقسى من الغضب على إنسان تعرف أنه بريء، والحقد على آخر تعلم أنه لم يسئ إليك. أنت، أنت لا يحق لك أن تكوني آسفة، إنني أنا الآسف، والآسف دائما.
تحية :
مجدي، مجدي، إن إنسانا في العالم لا يمكن أن يقول شيئا يسبب هذه الحيرة التي أوقعتني فيها الآن. هل أفرح؟ ولماذا لا؟ فإنك من أجلي قد أصبحت الأستاذ مجدي رفعت المحامي المعروف، والغني الكريم، والأديب الكبير، ولكن من أجلي أنا أيضا أحسست بالفقر والحزن في أسعد أوقات حياتك؛ أحسست به يوم كنت الأول في تخرجك، وأحسست به يوم نلت الغنى ولم تستطع أن تنال يد من تحب، وأصبحت شهيرا ولكن من تحب، ولكن أنا، لم ألتفت إلى هذه الشهرة!
مجدي :
لم يكن الغنى ما أردت، ولم تكن الشهرة ما سعيت إليه، إنما أردتك أن تسمعي أنت عني من غيري، تلك هي الشهرة التي أردتها لنفسي؛ كتبت في كل الجرائد والمجلات لتقرئي اسمي فقرأته، ولكن كنت ابنة خالتي وأنت تقرئينه ولم تكوني أبدا حبيبتي، كنت تهنئينني على مقالاتي وكتبي وكنت تفرحين بها وبي ولعلك أيضا كنت تعتزين بها وبي، ولكنك أبدا لم تحسي أنها منك أردتها أن تكون إليك فأخطأت الطريق. (تحية تبكي بكاء شديدا.)
مجدي (وكأنما يصحو) :
يا أستاذة أنا مضطر أن أذكر لك نظريتي مرة أخرى؛ ثبت أن البكاء لا يفيد.
تحية (تقاطعه بضحكة يشوبها البكاء وتقول بصوت يختلط فيه البكاء بالضحك) :
अज्ञात पृष्ठ