नई दुनिया में विचार का जीवन
حياة الفكر في العالم الجديد
शैलियों
وهنا نقطة الاختلاف بين «وايتهد» وزملائه الواقعيين: فهل هذه المنضدة - مثلا - مجرد مجموعة من معطيات حسية - أو حوادث - يتلقاها مشاهدوها؟ يجيب معظم الواقعيين المعاصرين أن نعم، ويجيب «وايتهد» بأنها - كأي مجتمع آخر - لا تقتصر حقيقتها على عدد أفرادها، بل هي كذلك طريقة بناء هذه الأفراد في كائن عضوي.
ونريد أن ننبه قارئنا في هذا الموضع من سياق الحديث، إلى أن «وايتهد» عسير القراءة، فيصعب جدا حتى على من مارسوا القراءة الفلسفية زمنا طويلا أن يدركوا معنى عباراته في سهولة ويسر؛ وذلك لأنه يستخدم لغة اصطلاحية، فلو علمنا معاني مصطلحاته لزال كثير جدا من صعوبة فهمه، وإنما أقول ذلك هنا لكي يأخذ القارئ هذه المصطلحات التي أوردناها في الفقرة السالفة بمعانيها عند «وايتهد» لا بمعانيها في اللغة الجارية أو في لغة العلوم الأخرى، فعبارة «كائن عضوي» ليس المقصود بها هو معناها في علم الحياة، بل المقصود بها هو أن تكون بين أجزاء الشيء المعين أو الموقف المعين علاقات ذات هيكل خاص، ولفظة «مجتمع» ليس المقصود بها مجتمعا من أفراد الناس كمألوف استعمالها، بل المقصود بها هو مجموعة الوحدات التي منها يتألف شيء معين أو موقف معين، بحيث يكون بين تلك الوحدات من العلاقات ما يجعلها بناء عضويا.
وننتقل الآن إلى نقطة ثانية رئيسية في فلسفته، وهي أن الطبيعة ليست فقط مقامة على أساس عضوي، بل هي كذلك في تغير دائم وتطور دائب وسير لا يقف، فالكائن العضوي إذ ينشط بحركات متتاليات وفاعلية مستمرة، لا يكون مصدر ذلك النشاط وهذه الفاعلية فحسب، أعني أنه لا يكون هو في جانب ونشاطه في جانب آخر، بل إن مناشطه كلها وفاعلياته كلها هي هي نفسها الكائن العضوي؛ إذ سيكون بينها من العلاقات ما يجعلها كذلك، بعبارة أخرى نقول: إن الشيء - كائنا ما كان - أو الطبيعة بأسرها باعتبارها كلا واحدا هي عبارة عن مجموعة نشاطها، ولو جاز لي أن أسوق مثلا يوضح الفكرة من نغمة الموسيقى، لقلت إن كل شيء، بل والطبيعة بأسرها ككل واحد هي كنغمة اللحن الموسيقي مؤلفة من حركات صوتية، بحيث تكون هذه الحركات هي نفسها النغمة، فليست النغمة شيئا وحركات الصوت شيئا آخر، بل إن هذه هي تلك، كذلك قل في كل شيء، وفي الطبيعة بأسرها، إنه فاعلية متصلة، أو نشاط مستمر، على ألا نفهم من ذلك أن النشاط منبعث من مصدر ثابت قائم وحده قد ينشط، وقد يفتر عن نشاطه، بل هو هو نفسه ذلك النشاط أو تلك الفاعلية.
ذلك هو المبدأ الأساسي في فلسفة «وايتهد»؛ العالم تغير وتطور وحركة وعمل وسير، وهل يمكن لفيلسوف مثله نشأ في جو من علم الطبيعة الحديث أن يقول غير هذا؟ فهذا العلم الحديث - كما تعلم - قد حلل المادة إلى ذرات، والذرة إلى كهارب سالبة وكهارب موجبة، أو قل إلى إشعاعات ضوئية متحركة أبدا، ليست هذه المنضدة التي أمامي جسما صلبا بالمعنى الذي كنا نعرفه للأجسام الصلبة، بل هي خلية كبيرة من أشعة تتحرك بسرعة كسرعة الضوء، وإذن فالطبيعة كلها قوامها هذه الحركة الدائبة؛ وبالتالي فقوامها تغير وتطور لا وقوف وسكون، وأخص خصائص هذا التغير في الطبيعة هو أنه يخلق الجديد، أعني أن الأجزاء لا تتحرك مجرد حركة تنتقل بها من مكان إلى مكان، بل إنها لتتحرك وتنشط ليتكون منها دائما «تركيبات» جديدة كل الجدة لم يسبقها شبيه في ماضي الطبيعة؛ ومن ثم يكون التطور، بل يكون الترقي والتقدم.
ولهذا التطور في الطبيعة خصيصتان، هما «الامتداد» و«الهدف»؛ فهو «ممتد» في المكان وفي الزمان معا، بمعنى أن حركة التغير تسري في نطاق مكاني معلوم ، وعلى فترة زمنية معينة، وحركة التغير هذه لا تسير إلى غير غاية، بل تقصد إلى «هدف» يراد تحقيقه، فالطفل - مثلا - في تغيره الدائم من حالة إلى حالة إنما يسير بتغيره هذا نحو أن يكون رجلا، وهكذا قل في كل شيء.
الحق أنه ليتعذر علينا أن نتبين في فلسفة «وايتهد» واقعية صريحة، أو مثالية صريحة، بل لعله تعمد أن يمزج هذه بتلك حتى تجيء نظرته أعلى وأشمل من كل من المذهبين مأخوذا على حدة؛ فمثلا لو كان واقعيا خالصا لذهب مع الواقعيين إلى القول بتعدد الكون وتكثره، فهكذا يذهب الواقعيون إذ يرون أن العالم ليس وحدة واحدة، بل هو مجموعة مشتملة على كثرة من أشياء، كما تدل على ذلك خبراتنا، ولو كان مثاليا خالصا لذهب مع المثاليين إلى أن الكون وحدة على الرغم مما قد يبدو من تعدد أشيائه وتكثرها، لكن «وايتهد» يجمع الرأيين معا في رأي، فيقول: إن الكثرة التي تأتينا مع تجاربنا بالواقع كثرة حقيقية، لكنه مع ذلك يصر على استحالة أن يستقل شيء بذاته، بحيث يستغني بكيانه عن بقية الأشياء، وكثيرا ما وجه النقد إلى الواحديين من قبله؛ لأنهم لم يدفعوا بواحدية العالم إلى نهايتها القصوى؛ إذ كانوا يكتفون بأن يجعلوا الأشياء كلها معتمدة في وجودها على وجود الله، لكنهم لم يجعلوا وجود الله كذلك معتمدا على وجودها، أما هو فيرى الوجود المستقل الذي يكفي نفسه بنفسه محالا على أي كائن مهما يكن؛ فهو مستحيل على الله استحالته على أصغر ذرة من ذرات الوجود، وهو مستحيل على الأفراد استحالته على الأمم، وهو مستحيل على الأشياء استحالته على معاني الألفاظ والعبارات، فيستحيل أن تفهم شيئا من هذه جميعا وهو قائم وحده، بل لا بد - لكي تفهمه - أن ترى نسبته إلى بقية الأشياء ، بحيث تراها جميعا في صحبة واحدة «كل منها في حاجة إلى بقيتها».
كل شيء في الوجود، أو كل «كائن فعلي» - كما يحب «وايتهد» أن يسمي الأشياء - هو بحاجة في وجوده إلى سوابق وأسلاف، كلها تتجمع فيه، ومع ذلك تراه يبرز في الوجود فردا فريدا ليس له شبيه مما سبقه أو عاصره، حتى إذا ما تكامل بناؤه وكيانه واكتمل نموه ونضوجه، استقر في الوجود مقوما من مقوماته، وعضوا من أعضائه، ليجيء من بعده فيتشربه كما كان هو قد تشرب أسلافه، ليكون بدوره فردا في الوجود فريدا، وهكذا دواليك، وانظر إلى الطبيعة كلها هذه النظرة التي تراها وهي في سيرها تنمو، تجدها في كل مرحلة من مراحلها تهضم في كيانها كل ما قد سلف، ثم تتفرد بعد ذلك في مرحلتها الراهنة تفردا يميز هذه الحالة من كل سالفاتها، فكأنما الطبيعة في تشابك أجزائها تجعل من الكثرة وحدة، ثم تضيف عند كل مرحلة في سيرها إلى تلك الوحدة واحدا، أي إنها تضيف - عند كل مرحلة في سيرها - إلى سالف تاريخها فصلا جديدا أو حالة جديدة، وهذا هو ما نعنيه إذ نقول: إن من خصائص الطبيعة الهامة عند «وايتهد» أنها في سيرها تقصد إلى «هدف»؛ فهدفها دائما هو خلق الجديد، الجديد الذي يهضم القديم كله، ثم يزيد بما يجعله جديدا، فقوة الخلق هذه - خلق الجديد - هي عند «وايتهد» المبدأ الذي تنطوي عليه حركة التطور، فما قوام الكون إلا مخلوقاته، كل مخلوق منها فريد، تمثلت في فرديته تلك القوة الخالقة التي ما تنفك ساعية نحو خلق الجديد، على ألا نفهم من ذلك أن هذه القوة الخالقة شيء غير مخلوقاتها التي تمثلت فيها، أي إنها ليست شيئا خارجيا بالنسبة إلى مخلوقاتها، بل هذه هي نفسها تلك، فلو تصورنا انعدام هذه الكائنات المجسدة للقوة الخالقة لتبع ذلك انعدام هذه القوة أيضا، وقوة الخلق هذه إنما تتمثل في مخلوقاتها، أو مجسداتها، أو «الكائنات الفعلية» أو «العوابر الفعلية»
30
على حد سواء، فهذه الكائنات أو هذه «العوابر» هي قوام العالم بكل ما فيه، ليس وراءها شيء وليس فوقها شيء، هي الحقيقة التي لا حقيقة بعدها، وهي وإن تكن متفاوتة القيمة والأهمية ومتباينة النشاط والفاعلية، إلا أنها جميعا سواء من حيث تجسيدها للمبادئ التي تجسدها.
31
अज्ञात पृष्ठ