हमयान ज़ाद
هميان الزاد إلى دار المعاد
على أن من بدل من شر وقرأ الحسن وعبد الطواغيت بالفعل الماضى، ونصب الطواغيت والجمع. ومعنى كون الله جاعلا منهم عبدة الطاغوت فى قراءة الاسمية أنه تعالى خذلهم فعبدوها، أو أنه سماهم عبدة الطاغوت، أى صيرهم قردة وخنازير وأصحاب هذا الاسم، ولما نزلت الآية كان المسلمون يقولون يا أخوة القردة والخنازير، فينكسون رءوسهم. { أولئك شر مكانا } أى أولئك الملعونون المغضوب عليهم، المجعول منهم القردة والخنازير، أعظم الناس الأشقياء عذابا وهوانا وذلا يوم القيامة، وذلك أنه أسند عظم الشرارة للمكان من حيث انه تفسير محول الفاعل مكنيا عن عظم شرارتهم، وشرارة المكان من لوازم شرارة أهله، والكناية أبلغ من التصريح، ويجوز أن يكون من اسناد ما للحال فى للمحل، وذلك أن مكانهم فى الآخرة النار التى هى أعظم نيران الآخرة تحت عبدة الأوثان، وقيل أعظمها سقر وهى لهم، لأنهم علموا ومن علم ولم يعمل فله الويل سبع مرات، ومن لم يعلم فمرة، وقيل عبدة الأوثان أسفل منهم، أو المراد أن مكانهم فى النار أعظم وأفظع من كل مكان سوء فى الدنيا، وقيل المعنى شر تمكنا، وحالا وقيل المعنى شر انصرافا أى انقلابهم الى الله بالموت، أو بالبعث شر من انقلاب غيرهم. { وأضل عن سوآء السبيل } عن الطريق السوى، أى عن الطريق الأفضل، وهو دين الله تعالى السالم من غلو النصارى، وقدح اليهود، والمراد أشد ضلالة من سائر من ضل.
[5.61]
{ وإذا جآءوكم قالوا آمنا } قال قتادة نزلت الآية فى أناس من اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظهرون له أنهم مؤمنون، وأنهم مستمسكون بما جاء به، راضون وهم فى السر، متمسكون بضلالهم، فأخبره الله تبارك وتعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم يتعلق بهم شىء مما سمعوا من تذكيرك بآيات الله ومواعظه، كما قال الله تعالى { وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } ولعل الآية نزلت فى المنافقين من العرب ومن اليهود، والواو وفى قوله وقد دخلوا بالكفر واو الحال، وصاحب الحال واو جاءوكم أو واو قالوا وهو أولى، وأما واو قوله { وهم قد خرجوا به } فقيل ان هذا الحال كذلك فيكون قد تكرر من الحال، وهى جملة كل بواو الحال، وأولى من هذا أن تكون عاطفة على الحال فتحصل الحالية بواسطة العطف، ويجوز أن تكون للحال وصاحبها واو دخلوا، والمراد بالخروج على كل حال الخروج السابق على هذا الدخول، وفى الوجه الأخير عدم عطف الاسمية على الفعلية، ووجه العطف قرب الفعلية من الاسمية باقترانها بقد، وقد هذه لتقريب الماضى من الحال لتناسب الحالية، وكأنه كان مضمون مدخولها قريبا من الحال، يكاد يشاهد، ومع ذلك هى حال محكية، ويجوز أن تكون التوقع، لأن أمارات النفاق عليهم، فهو يتوقع ظهوره. وعلى كل حال جاءت جملتان فعلية قريبة من الاسمية، ويتأكد قربها بجعل قد للتحقيق، وجملة اسمية فيها اسنادان، لأن الخبر فيها جملة، وفيه قد أيضا بأوجهها المذكورة، فقد تمسكوا بالكفر جدا، لكن لما رأوا حسن سيرته صلى الله عليه وسلم وجلبه كان مقتضى الفعل أن يخرجوا مؤمنين فى الظاهر، ويجوز خروج شر وأضل على التفضيل، وقد سبق توجيه بقائهما على التفضيل، ولكونه صلى الله عليه وسلم يظن نفاق هؤلاء قال الله تعالى { والله أعلم بما كانوا يكتمون } من الشرك فلا يفوته الانتقام منهم، وهذا دليل على قوة ظنه صلى الله عليه وسلم نفاقهم فى ذلك، حتى كأنه علم فقال الله أعلم منك بنفاقهم.
[5.62]
{ وترى كثيرا منهم } من اليهود، أو من المنافقين، أو منهم جميعا. { يسارعون فى الإثم } أى فى الذنب المتعلق بهم مما ليس فيه ظلم لغيرهم. { والعدوان } الذنب الذى هو ظلم لغيرهم، كالغيبة والتكذيب والطعن والبهت، وهذا ولو كان فيه التخصيص المحتاج لمخصص، لكن لفظ العدوان أنسب بذلك، فهو كالدليل، والعدوان ولو كان يصح اطلاقه على مطلق الذنب الكبير كن ذكر الاثم قبله يدعو الى الفرق بينهما فيقال كما قلت، أو يفسر الاثم بالذنب المغيب، والعدوان بالكبيرة، والمجاوزة الحد فى المعاصى، أو يفسر الاثم بالكذب، والعدوان بما ذكر، وتخصيص الاثم بالكذب خلاف الأصل الا أنه يدل له قوله عن قولهم الاثم حيث سلط القول على الاثم، فهو قول والكذب قول، قالوا آمنا وليسو مؤمنين. وقيل الاثم ما كتموا من التوراة، والعدوان ما زادوا فيها والرؤية علمية أو بصرية فانها تصح، ولو فيما لا يرى اذا رويت علامته، وكذلك تصح العلمية فيما يرى، لأنه يدركه القلب بادراك البصر. { وأكلهم السحت }المال الحرام كمال الرشا، خصه بالذكر للمبالغة فى تحريمه. { لبئس ما كانوا يفعلون } ما فاعل أو تميز، والفاعل مستتر مفسر بما، وهى على كل حال نكرة موصوفة بالجملة بعدها هذا أولى من جعلها موصولة، والمخصوص بالذم محذوف أى ما ذكر من المسارعة فى الاثم والعدوان وأكلهم السحت.
[5.63]
{ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار } منهم. { عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } لولا للتخصيص بدخولها على المضارع، خصصهم الله على النهى عن المنكر لتخصيص يتضمن توبيخا كما قال الطبرى عن العلماء ما فى القرآن آية هى أشد توبيخا للعلماء من هذه الآية، ولا خوف عليهم منها. وعن ابن عباس والضحاك ما فى القرآن آية أخوف عندى منها أن لا نهى قال الزمخشرى ولعمرى ان هذه الآية مما يقدر السامع وينعى على العلماء توانيهم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما هى أشد آية فى القرآن، وعن الضحاك ما فى القرآن آية أخوف منها. قلت وذلك أن واو يصنعون كانوا للربانيين والأحبار، فقد جعل الله تركهم النهى عن المنكر صنعة لهم أبلغ ذما أبلغ ذم، اذا الصنعة هى العمل الذى تدرب فيه عامله وتمكن، وينسب اليه ، وليست مطلق العمل، فالعلماء التاركون للنهى أسوأ حالا من عاملى ما نهى عنه، اذ سمى تركهم للنهى صنعة، وسمى فعل العاصين عملا، اذ قال
لبئس ما كانوا يفعلون
وأيضا للفاعل شهوة تدعوه وتحمله على الفعل، ولا شهوة للناهى فى الفعل، فاذا ترك النهى كان أشد حالا، ولا سيما العالم بحلال الله عز وجل، والمؤمنين، أو الكذب مطلقا، وقرأ ابن عباس بئس ما كانوا يصنعون بدون اللام.
[5.64]
अज्ञात पृष्ठ