हमयान ज़ाद
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ يهدى به الله } أى بالكتاب المبين، والهداية بالكتاب هداية بالرسول أيضا، فلا حاجة الى أن يقال أفرد الضمير لأنهما كواحد، الا أن يراد بهذا ما ذكرته من أن الهداية بالكتاب هداية بالرسول، وأما اذا أريد بالنور والكتاب معنى القرآن أو التوراة فأفرد، لأنهما واحد لان المراد بهما اما بالقرآن وحده، واما التوراة وحدها. { من اتبع رضوانه } هو حب رضوانه، أو ما يرضاه الله وهو دين الاسلام، واتباع رضوانه هو الايمان بدين الاسلام. { سبل السلام } طرق السلامة من هلاك الدنيا والآخرة، والسلام الله من أسمائه كقوله تعالى
السلام المؤمن المهيمن
أى طرق دين الله، وهو مروى عن ابن عباس، واذا فسرنا رضوانه بدين الاسلام لم نفسر سبل السلام به، بل بطرق السلام وهى الجنة. { ونخرجهم من الظلمات } الكفر والشرك. { إلى النور } أى الشكر والتوحيد والطاعة. { بإذنه } توفيقه أو بارادته. { ويهديهم إلى صراط مستقيم } دين الاسلام الذى هو طريق الى الجنة ورضا الله، ونكرا نورا وكتابا وصراطا للتعظيم.
[5.17]
{ لقد كفر } أشرك. { الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } نفوا الألوهية عن الله العزيز المنتقم، وأثبتوها لعبده عيسى وقالوا لا إله إلا عيسى، وهم قوم من النصارى وهم اليعقوبية، وقيل والملكانية. قال ابن عباس ونصارى نجران على دين اليعقوبية، وسبق الكلام فى ذلك، وقيل لم يصرحوا بذلك تصريحا لكن لزم من كلامهم، وذلك أنهم قالوا ان فى عيسى لاهوتا، وقالوا لا إله إلا واحد، فلزم على زعمهم أن يكون هو المسيح، كما نسبوا اليه أنه خالق محيى مميت، مدبر أمر العالم، فضحهم الله بلازم اعتقادهم، وزعم قوم منهم أن الله حل فى عيسى. { قل } يا محمد لهؤلاء النصارى ان كان ما تقولون حقا. { فمن يملك من الله شيئا } أى فمن يطيق ويقدر أن يدفع عن عذاب الله شيئا، فمفعول يملك محذوف تقديره أن يدفع، ومن الله على حذف مضاف، أى من عذاب الله وشيئا مفعول به ليدفع المقدر، ويجوز أن لا يقدر مفعول ليملك، بل مفعوله شيئا ويقدر من أمر الله أى لا يملك أحد شيئا من أمر الله، حتى انه لو جاء به الله لدفعه هو، ومن الله نعت شيئا، ومن لازم الملك التصرف فى المملوك فلو ملك أحد شيئا من أمر الله لتصرف فيه بالمنع اذا جاء، أو ضمن يملك معنى يمنع والاستفهام للنفى. { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا } فلو كان عيسى الها لرد عن نفسه ما يكره اذا جاءه، كما يرد أحدنا باذن الله الشر اذا جاءه من عدوه، وانما ذكر أمه ومن فى الأرض جميعا تنبيها على أن عيسى وأمه من جنس الناس لا تفاوت بينهما فى الانسانية، وكذلك لا مانع له اذا أراد سائر خلقه، ولكن ذكر ما فى الأرض لأنه المعروف عندهم عيانا. { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما } بين النوعين، ومن جملة ذلك عيسى فهو ملك لله تعالى. { يخلق ما يشآء } على الكيفية التى يشاء، مثل أن يخلق ما يخلق بلا أصل كالسماوات والأرض، وكالأرواح والظلمة، أو من أصل لا يجانس ما خلق منه كالسماوات والأرض على القول بأنهما من الماء، وكآدم والحيوان المتولد من التراب، أو من الثمار، أو من اللحوم، والطير من التراب على يد عيسى، أو من أصل يجانسه كحواء أنثى من ذكر، وكعيسى ذكرا من أنثى وحدها، وكسائر الناس من ذكر وأنثى، فهو الخالق لعيسى فى رحم أمه عليهما السلام بلا ذكر. { والله على كل شىء قدير } لا يعجزه ما أراد.
[5.18]
{ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } أى نحن أبناء ابنى الله، فاليهود قالوا نحن أبناء ابن الله عزيز، والنصارى قالوا نحن أبناء ابن الله المسيح، واليهود ولو لم يكونوا ولد عزير، والنصرى ولو لم يكونوا ولد عيسى، لكن اليهود أشياع عزير، والنصارى أشياع عيسى، فنسبوا النبوة من الله لأشياع من هو ابن عندهم، لعنهم الله عز وجل. والمنتسب الى انسان فى أمر ينسب اليه ما ينسب لذلك الشىء لما انتسبوا اليهما بالمشايعة نسبت اليهم نبوتهما المكذوبة، وكما نسب مؤمن آل فرعون الملك لقوم فرعون
يا قوم لكم الملك اليوم
وانما هو لفرعون، وكما كنى عبد الله بن الزبير أبا خبيب بصيغة التصغير فنسب اليه أشياعه فقيل الخبيبيون، وقيل له وأخيه مصعب وابنه، وقيل أيضا الخببيان له ولابنه، أو له ولأخيه مصعب، وقد روى قدنى من بصر الخبيبين قدى بالتثنية والجمع ورويته أنا بالتثنية. وقال الفخر فى المطول على الشواهد بعدما ذكر ذلك كله ويحتمل على الجمع أن لا يكون ذلك تغليب، بل الأصل الخبيبين فحذفت ياء النسب كقولهم الأشعرين وكالأعجمين عجمين، لأنه يقال أعجمين، وقيل مراد اليهود نحن أبناء رسل الله، فحذفوا المضاف، ومراد النصارى أنهم تأولوا يحكون عن المسيح أنه يقول فى الله أنه أبى الذى فى السماء، وانى لا أشرب الخمر حتى أشربها فى جوار أبى فى الجنة، وأذهب الى أبى وأبيكم، واذا صليتم فقولوا يا أبانا الذى فى السماء، تقدس اسمك. وفى الباب الثامن من الانجيل لمتى يكتبون كتبا بأيديهم، ويزيدون فيها وينقصون، ويسمونها أناجيل، وينسبون لمتى وغيره، قال عيسى للحواريين، فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذى فى السماوات. وقال فى الفصل التاسع أحسنوا الى من أبغضكم، وصلوا من يطردكم ويغتصبكم لكيما تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السماوات. وقال أيضا كونوا مثل أبيكم السمائى، فهو كامل، وقال فى دعاء عندهم، هو كالفاتحه الكريمة عندنا، وهو فى الانجيل الذى زعموه انجيلا أن يقولوا وأبوينا الذى فى السماء. وذكروا عن متى فى الباب التاسع والثمانين قال عيسى أقول لكم انى لا أشرب عصير هذه الكرمة الى اليوم الذى أشربه معكم جديدا فى ملكوت أبى، ولا يصح عند المسلمين أن عيسى قال ذلك، فلو صح لم يرد بالأب الا التعظيم والعطف كفر الوالدانية، وتعظيم الابن أباه كما قال أحمد بن قاسم الأندلسى الحجرى لا يفهم من تسمية عيسى ابن الله الا أنه نبى مقبول عند الله، قال وقد قرأت فى الانجيل أن واحدا من الحواريين قال لسيدنا عيسى عليه السلام أنت ابن الله حقيقة؟ قال له سيدنا عيسى عليه السلام أنت قلت، ولم يقبل منه ذلك، وعندهم أناجيل وقال ان دينهم مفتوح للزيادة والنقصان.
قال وأما الانجيل الذى كتبت منه هذه النصوص، فحذفوا منه ذلك، وبرهان ما قلنا أن المراد بالنبوة الصلاح ما مر من قوله لكى ما تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السماوات. وعن السدى أوحى الله تعالى الى اسرائيل أول ولدك بكرى، فظلت اليهود بذلك، وانما المعنى أنه بكر فى التشريف أو النبوة. وعن ابن عباس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن أصار، ويحرز بن عمرو، وشاس بن عدى فكلموه، وكلمهم صلى الله عليه وسلم ودعاهم الى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا ما تخوفنا يا محمد نحن أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى، فنزلت الآية تكذيبا لهم قبحهم الله. وزعم اليهود أنهم يقيمون فى النار أربعين يوما ثم ينادى مناد أن أخرجوا من النار كل مختون من بنى اسرائيل، فاما أن يقول أوائل اليهود والنصارى بالبنوة على حقيقة، واما أن يقولوه على معنى الرحمة والتعظيم كما قال الحسن انهم قالوا قربنا من الله وحبه ايانا كقرب الولد من والده، وحب الوالد لولده، وعلى كل حال يحرم ذلك، فان كل ما يوهم الشرك والنقص فى الله حرام ولو لم يرد المتكلم به ما لا يجوز، وقد يقول بعض أهل المغرب الأقصى، وبعض أهل مغربنا هذا بأنه ربى وهو حرام لا يجوز، ولو لم يرد الشرك لأنه لفظ شرك. { قل } يا محمد ان كان ذاكم. { فلم يعذبكم بذنوبكم } كما أقرت اليهود بتعذيب أيام معدودة يا اخوان القردة والخنازير، فبعضكم صيره قردة، وبعضكم خنازير مسخا بذنوبهم، ومن ورائهم النار الدائمة وهى أيضا لكلكم، كأنى أراكم مواقعيها الا من اتبع ما أمر الله به، واجتنب ما نهى الله كما قال الله. { بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشآء } الغفران له بأن يوفقه للتوبة. { ويعذب من يشآء } تعذيبه بأن يخذله لا مزية لكم على سائر البشر، فهل رأيتم أبا يعذب ابنه أو يمسخه؟! وهل رأيتم حبيبا يعصى حبيبه؟! { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما } كل ذلك ملك له لا شىء منه ابنا له ولا صاحبة له، ومن يملك ذلك لا شبه له، والولد والصاحبة لا بد من شبههما الزوج والأب. { وإليه المصير } بالبعث للأجسام والأرواح للجزاء بما فعلوا من خير وشر، فلا يقل أحد انى حبيب الله، ولا شريف لا يعذبنى، اذ لا يؤمن مكر الله، ولا يعبر الحب والشرف، أو يتصور أن يغير التقوى عند الله.
अज्ञात पृष्ठ