हमयान ज़ाद
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ستجدون آخرين } هم أسد وغطفان، قاله ابن عباس، وعنه هم بنو عبد الدار، وكانت القبائل الثلاث عند المدينة، تكلموا بكلمة الاسلام رياء للمؤمنين، وهم فى الباطن مشركون، يقول للرجل قومه بماذا آمنت؟ فيقول بهذا العقرب والقرد والخنفساء، وقيل اذا رجع أحد الى قومه قيل له قل رب الخنفساء، رب القرد، رب العقرب، فيقولها. وقيل كان حى بالحجاز يقولون يا نبى الله لا نقاتلك ولا نقاتل قومنا، يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، كانوا أتوا المدينة ويقولون للمسلمين إنا على دينكم ليأمنوا الفريقين كما قال الله جل وعلا { يريدون أن يأمنوكم } باظهار الاسلام. { ويأمنوا قومهم } بالكفر كلما أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فاذا رجعوا الى قومهم باقى غطفان وأسد وعبد الدار، كفروا ونكثوا عهودهم، وكلما طلبهم قومهم أو غيرهم قتال المسلمين أو الكفر أجابوا له كما قال { كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } وقرىء أركسوا بالبناء للمفعول، وترك الهمزة، وكلتا القراءتين واحدة فى المعنى، أى كلما ردوا الى الفتنة أى القتال أو الشرك قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو. وعن مجاهد كان أناس من أهل مكة يأتون النبى فيسلمون عليه رياء، ثم يرجعون الى قريش فيركسون فى الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمروا بقتالهم ان لم يعتزلوا ويكفوا. { فإن لم يعتزلوكم } يعتزلوا قتالكم، وذلك أنه اذا ندبوا الى قتال المسلمين قاتلوا مع من ندبهم سرا. { ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم } أى أنفسهم عن مضرتكم بأى وجه ما، لما كان اليد أعظم ما يعمل به، استعمل لفظها فى مطلق ما يعمل به كالقلب يبغض به الاسلام، واللسان ينطق بالكفر، والطعن فى الدين، أو ان لم يعتزلوكم فيذهبوا الآن لمكة، وحيث شاءوا بلا قتال، ويلقوا اليكم الصلح، ويكفوا أيديهم عن قتالكم بعد ذلك أينما كانوا. { فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا } حجة ظاهرة فى التعرض لهم بالأخذ والقتال بظهور غدرهم وكفرهم، ويجوز أن يكون المعنى تسلطا ظاهرا حيث أذن لكم فى قتالهم، قال عكرمة كلما وقع السلطان فى كتاب الله عز وجل فهو الحجة.
[4.92]
{ وما كان لمؤمن } ما جاز له شرعا ولا عقلا وما لاق حاله. { أن يقتل مؤمنا } موحدا لم يظهر منه اسرار الشرك. { إلا خطئا } مثل أن يرمى مشركا فيصيب مؤمنا أو يرمى صيدا أو يعمل فى حاجة له فيصيب مؤمنا، أو رمى مشركا فى علمه، فاذا هو مؤمن، وذلك فى القتل ابتداء، وأما القتل قصاصا أو لزنى أو موجب قتل فمعلوم جوازه من الآى الآخر، ونصب خطأ على أنه مفعول لأجله، أو حال أى ذا خطأ أو مخطئا، أو كان نفس الخطأ لتمحص الحال عن شوب شىء ما من العمد، أو مفعول مطلق أى الا قتل خطأ أو الا قتل خطأ على النعت بالمصدر، ولا يخفى أنه لا يقال انه يحل قتل المؤمن خطأ، بدليل أن عليه الدية والكفارة، فما صح المعنى الا على أن يقال ما لاق بمؤمن قتل مؤمنا الا خطأ. وقيل النفى بمعنى النهى والاستثناء منقطع، أى لا تقتل أيها المؤمن مؤمنا آخر، لكن ان قتله خطأ فلا ذنب عليه، بل يلزمه ما يلزمه ومن قتل مؤمنا خطأ.. الخ، وهذا هو اللازم له. وفى هذا القول بعض تكليف ارتكبه قائله ليتخلص به عما يتوهم من أنه يجوز القتل خطأ، وقرىء خطاء بالمد، وقرىء خطى كفتى قلبا للهمزة ألفا تخفيفا، وروى أن عياش بن أبى ربيعة، وكان أخا أبى جهل لأمه قد أسلم وهاجر خوفا من قومه الى المدينة، وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب، ولا يؤويها سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحارث بن زيد بن أبى أنيسة، فأتياه فتلطف له أبو جهل وقال أليس محمد يحثك على صلة الرحم، فانصرف وبر أمك، وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما فلما فسحا عن المدينة كتفاه وجلده كل واحد مائة جلدة، فقال للحارث هذا أخى، فمن أنت يا حارث لله ان وجدتك خاليا أن أقتلك. وقدما به على أمه فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد ففعل، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياش بظهر قباء، ولم يشعر باسلامه فقتله، ثم أخبر باسلامه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قتلته ولم أشعر باسلامه، فنزلت الآية، وخص المؤمن بالذكر فى قوله { وما كان لمؤمن } لأنه المعتبر الخائف من عقاب الله تعالى، الذى يتأثر بكلام الله جل وعلا، وكذا خص المقتول فى الذكر بكونه مؤمنا، لعظم شأنه، والا فالذمى والمعاهد لا يجوز قتلهما أيضا الا أن كان قد أخطأ القاتل، كما ذكر المشرك بعد. وقيل أن الحارث أيضا أخ لعياش لأمه كأبى جهل، وانهما لما أتيا عياشا أخبره بما قالت أمه، من كونها لا تأكل ولا تشرب ولا يضلها سقف حتى يرجع، وأعطياه عهد الله لا يكرهانه على ما يحول بينه وبين دينه، وأنه لما وصل مكة حلفت أمه لا يحل حتى يرتد وتركوه فى الشمس حتى ارتد لهم، وأن الحارث أتاه بعد ذلك فقال له إن كنت على هدى فقد تركته الآن، وان كان ضلالة فقد كنت على ضلالة، فغضب عياش لقوله هذا فحلف لا يلقاه خاليا الا قتله، فقتله بظاهر قباء، فسأل فنزل على حد ما مر.
{ ومن قتل مؤمنا خطئا } كضربه رجلا مشركا فى علمه، فاذا هو مؤمن ، وضربه فى صف الكفار، وموافقة مؤمن فيهم، ورثته مسلمون كان معهم قهرا، أو قصده بظنه منهم، وكرمى صيد وغيره مما يجوز له فتصادف ضربته أحدا وكضربه أحدا بما لا يتوهم القتل، ولم يقصد قتله فى قول، ومن الخطأ عمد الطفل وما يتوهم من عمد المجنون. { فتحرير رقبة مؤمنة } أى فعليه تحرير رقبة مؤمنة، وهذا عندى أولى من أن يقدر فالواجب تحرير رقبة مؤمنة، لأن تقدير على ومجرورها يفيد الوجوب، ويستأنفه، بخلاف تقدير فالواجب تحرير، فانه يليق ولو علمنا وجوب كفارة مطلقا ولا نعلم ما هى، أو نعلم وجوب شىء ولا نعلم ما هو، فانما يصح هذا بتكلف أنه يفهم مما قبله وجوب شىء ما، وكذا ما أشبه ذلك، ومعنى مؤمنة موحدة بأن جلبت مشركة فوحدت. وسواء لأن كانت موافقة أو مخالفة، عاصية الله أو مطيعة، أو جلبت فولدت ولد ابلغ موافقا، أو مخالفا غير مشرك، ومن قال ولد المشرك يتولى وهو قول معاذ بن جبل أجاز عتقه، ولكن يمونه المعتق الى أن يبلغ، وان كان أبو الطفل مؤمنا فهو مؤمن، وان كان مشركا وأسلمت أمه فهو مؤمن. وقال ابن عباس والحسن والشعبى والنخعى لا تجزى الا رقبة قد صلت وصامت، لأن الايمان اما التصديق واما العمل، وأما المجموع، والكل فائت عن الصبى، والعمل بلا ايمان لا يعتبر. قال الشيخ هود رضى الله عنه أخبرت عن الحسن أنه لا تجزى رقبة قد صلت وصامت، ليست بصغيرة. قال مالك يجزى كل من يحكم له بحكم الاسلام فى الصلاة ان مات، قال ومن صلى وصام أحب الى. والتحرير الاعتاق سمى بهما اخراج العبد من العبودية، لأن معناهما التخليص، ولأن الحر والعتيق الكريم، والكرم فى الأحرار، فتحرير العبد تصييره من أصحاب الكرم، كما أن اللوم فى العبيد وليس الكرم فى العطاء فقط، ولا اللوم فى تركه فقط، ومن ذلك عتاق الخيل لكرامها وحر الوجه أكرم موضع منه، يعاد اللئيم عبد، وفلان عبد الفعل أى لئيم، والمراد بالرقبة ما يشمل العبد والأمة، وذلك من تسمية الشىء باسم جزئه.
{ ودية مسلمة إلى أهله } أى أهل المؤمن المقتول، أى ورثته تعطيها عاقلة القاتل ان حكم عليه بدون اقراره، وانما قال تجب عليه الدية، لأنه يجب عليه جمعها من عاقلته، ولو كان لا يعطى معهم، وقيل يعطى منابه، وليس عليه جمعها، وصححوا الأول لأنه صلى الله عليه وسلم جعلها على العاقلة، وتحمل الآية أيضا على الخطأ الذى تعقله العاقلة، كما اذا اعترف القاتل خطأ وبسط ذلك فى الفروع، والآية دلت على الأول، والسنة بينت أنها على العاقلة اذا كان القتل خطأ يقسمها الورثة على قدر ارثهم وللوصية قبلهم ثلثها، وللغرماء استيفاء ديونهم منها قبل الوصية وقبل الارث. وعن شريك لا يقضى من الدية دين، ولا تنفذ وصية، وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها. قال الضحاك بن سفيان الكلابى كتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنى أن أورث امرأة أشيم الضبابى من عقل زوجها. قال سعد بن المسيب جاءت امرأة الى عمر بن الخطاب تطلب ميراثها من دية زوجها، فقال عمر أيكم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا شيئا، فقال الضحاك بن سفيان الكلابى فقال أشهد أنى كتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم الضبابى دية من زوجها. فورثها عمر. هذا فى قتل الخطأ، وأما فى قتل العمد، فانما هو الى العصبة، فان رضوا بالدية كانت لهم دون غيرهم من أهل الميراث، وفى رواية قضى عمر بدية فجاءت امرأة تطلب ميراثها من عقله، فقال لا أعلم لك شيئا انما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه، فقال الضحاك الى آخر ما مر بلفظه، وترث من دية العمد، وهو الصحيح عندهم، كما ترث من الخطأ، وكذا الزوج كمن لا يملك القتل لو قتل عمدا وان لم تكن العاقلة ففى بيت المال، وان لم يكن فعلى القاتل، وكذا كل ضرب أو قطع أو مضرة فى البدن، كان أرشها ثلث الدية أو أكثر، وكانت خطأ فانها على العاقلة، ولفظ دية من باب عدة وزنة يقال وداه يديه دية، أعطاه ما يلزم على القتل أو قطع العضو أو نحو ذلك، كوعده يعده غدة، ووزنه يزنه زنة. { إلا أن يصدقوا } الا بتصديق أهل المقتول الوارثون له على القاتل بترك الدية كلها، فليس عليه شىء منها، أو بترك بعضها، فيسقط عنه ما تركوا له، وسمى العفو عن الدية أو بعضها تصدقا حثا على العفو، وتنبيها على فضله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" كل معروف صدقة أمرك بمعروف صدقة ونهيك عن منكر صدقة وارشاد الضال صدقة "
وذكر أشياء. والاستثناء منقطع أى لكن التصدق مندوب اليه، وأجاز ابن الحاجب أن يكون الاستثناء متصلا فى مثل هذا من الاثبات مع عدم ذكر المستثنى منه اذا فهم من الكلام، نحو زيد يكرم الناس الا حال غضبه، ويقرىء الا يوم الجمعة أى كل حال الا حال غضبه، وكل يوم الا يوم الجمعة، فالتقدير هنا على الاتصال ودية مسلمة الى أهله كل حال الا التصدق، أى الا حال التصدق، فان يتصدقوا فى تأويل اسم منصوب على الاستثناء، على حذف مضاف من ظرف محذوف، كما رأيت، وان شئت فقدر مسلمة فى كل حال الى أهله الا أن يتصدقوا، أى الا فى حال أن يتصدقوا، وزعم بعض أنه يجوز كون أن يصدقوا حالا فى تأويل مصدر مؤول بحذف مضاف، أو باسم الفاعل، وأن صاحب الحال أهله أى الا ذوى تصدق أو متصدقين.
ويجوز نصبه على الظرفية، وقد ينوب عن مكان مصدرى أو ذلك فى ظرف الزمان يكثر أى الا تصدقهم، أى زمان تصدقهم والحالية ضعيفة لأن المصدر يقدر مضاف للفاعل، كما أن الواو فى الآية فاعل، والمضاف للضمير معرفة الا أن يقدر ناوين تصدقهم أو عازمين على تصدقهم، أو قدروه بلا اضافة، أو التزموا أن يقدر بالاضافة، لأنه اذا أول بالوصف تحمل الوصف ضميرا، ولم يكن به معرفة، ويصدقوا أصله أن يتصدقوا كما قرأ به أبى، أبدلت التاء صادا وأدغمت فى الصاد. ودية الخطأ فى ثلاث سنين، سواء كان خطأ محضا كما مر، أو شبه عمد كضربه بعصا أو حجر صغير لا يقتل بمثله غالبا، فالضرب عمد والقتل غير العمد، الا أن الخطأ المحض ديته مخففة، وشبه العمد مغلظة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مكة عام الفتح
" دية قتيل العمد وشبه العمد بالسوط والعصا مائة من الابل فيها أربعون فى بطونها أولادها "
وقيل الدية المغلظة خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وبه قال الزهرى، وربيعة، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأى، فهى أرباع. وأما دية الخطأ المحض وهى المخففة، فأخماس باتفاق، فقال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهرى، وربيعة، ومالك، والشافعى عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وقال ابن مسعود، وأحمد وأصحاب الرأى كذلك، الا أنهم جعلوا عشرين ابن لبون بدل بنات مخاض. { فإن كان } المقتول. { من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } فقط، ولا دية على قاتله خطأ، لأنه من قوم معادين للمسلمين بالشرك، وانما لم تكن له دية، لأنه لا وراثة بينه وبينهم لشركه وحكم الدية الارث، وهم لا يرثونه، ووجه ذلك أنه قهره المشركون أن يكون معهم فى صفهم أو جاء اليهم لأمر، أو كان معهم فى بلدهم وأسلم ولم يعلم قاتله باسلامه ولم تكن له الدية لما مر، ولأنه عرض نفسه للقتل بعدم الهجرة، أو بالكون معهم حال القتال، ولأنه لا قائل بأنه يلزم من يقاتل أهل دار الحرب أن يبحث فيهم واحدا واحدا، وبذلك قال الشافعى.
अज्ञात पृष्ठ