हमयान ज़ाद
هميان الزاد إلى دار المعاد
وذلك لأنه بالقلب، والقلب أفضل ما فى الإنسان وبصلاحه يصلح الجسد، يتفكر به فيعرف الله، ويستعمل الجوارح فى العبادة التى خلق الإنسان لأجلها، والفكر يذهب الغفلة ويجيد الخشية للقلب، كما يجدب النبات الماء ولا جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر، وعنه صلى الله عليه وسلم
" لا تفضلونى على يونس بن متى، فإنه يرفع له فى كل يوم مثل عمل أهل الأرض "
، قالوا وإنما ذلك بالتفكر فى أمر الله تعالى، إذ لا يعمل عمل أهل الأرض فى اليوم إلا بذلك، والنهى عن التفضيل قبل أن يعلم أنه أفضل الخلق، وبعده قال أنا سيد ولد آدم ولا فخر. وعنه صلى الله عليه وسلم
" بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لى، فنظر الله إليه فغفر له "
وفى الأحياء نهاية ثمرة الدين، فى الدنيا تحصيل معرفة الله، وتحصيل الأنس بذكر الله، والأنس يحصل بدوام الذكر، والمعرفة تحصل بدوال الفكر، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على قوم يتفكرون فى الخالق فقال
" تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره "
قال بعض العلماء المتفكر فى الله، كالناظر فى عين الشمس، يزداد تحيرا، وإنما يتفكر فى المخلوقات وأحوال الآخرة وثواب الله وعقابه. قال ابن عباس وأبو الدرداء تفكر ساعة خير من قيام ليلة. قال سرى السقطى فكرة ساعة خير من عبادة سنة، ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها فى الآخرة. وعن الحسن الفكر مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئأته. وأخذ أبو سليمان الدارانى قدح الماء ليتوضأ لصلاة ليل وعنده ضيف، فرآه لما دخل أصبعه فى أذن القدح أقام كذلك مفكرا حتى طلع الفجر، فقال له ما هذا يا أبا سليمان؟ فقال إنى طرحت أصبعى فى أذن القدح وتذكرت قول الله سبحانه
إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل
فتفكرت فى حالى، وكيف أتقى الغل إن طرح فى عنقى يوم القيامة، قيل لامرأة أبى الدرداء ما كان أكثر شأن أبى الدرداء؟ قالت كان أكثر شأنه التفكر. قال ابن بطال إذا كمل إيمان الإنسان وكثر تفكره، كان الغالب عليه الإشفاق والخوف. والآية دليل على شرف العلم الذى يبحث فيه على ثبوت الصانع وقدمه، وعدم شبه الخلق وشرف أهل ذاك العلم وهو علم الكلام، وقال ابن عطاء الله الفكر سراج القلب، فإذا ذهب فلا إضاءة له. قال القشيرى فكر الزاهدين فى الدنيا وقلة وفائها لطلابها، فيزدادون بالفكر زهدا، وفكر العابدين فى جميل الثواب فيزدادون نشاطا عليه ورغبه فيه، وفكرة العارفين فى الآلاء والنعماء فيزدادون محبة للحق سبحانه.
ذكر الله عبادة البدن بقوله { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } وعبادة القلب بقوله { ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض }. { ربنآ ما خلقت هذا باطلا } أى قائلين ربنا ما خلت هذا باطلا فهذا وما بعده إلى قوله " الميعاد " محكى بحال محذوفة - كما رأيت - وصاحب الحال واو { يتفكرون } والإشارة إلى المتفكر فيه المذكور، أى هذا الذى تفكرنا فيه من خلق السماوات والأرض، وإلى خلق بمعنى مخلوق على أن إضافته بيانية، اى مخلوق هو السماوات والأرض، أو إلى السماوات والأرض على تأويلهما بالمخلوق وبقاء خلق على المصدرية، وباطلا حال من اسم الإشارة، أو مفعول مطلق أى خلقا باطلا، أو حال من التاء، أو مفعول لأجله، أى لعبت المعانى تابعة لهذه الأعاريب، وما صدق الكل إن خلق السماوات والأرض حكمة، لا عبث ضائع، لأنه خلقهن ليكن مبدأ لوجود الإنسان والملائكة والجن، وسببا للمعاش، وليكن آيات على وجوده تعالى وكمال قدرته، وداعيات إلى الطاعة لينال المطيع الجنة. { سبحانك } أى نزهناك تنزيها عن العبث، وعدم الحكمة فى شىء ما من فعلك وقولك، ومن فعله خلق السماوات والأرض، وجملة سبحانك إذ ناب على الجملة معترضة بين المفرع عليه وهو اعترافهم بأنه لم يخلق السماوات والأرض عبثا، والمفرع بالفاء، وهو ما بعدها فى قوله { فقنا عذاب النار } أى لا تعذبنا بنارك على تقصيرنا فى تفكيرنا فى خلق السماوات والأرض، وفى التفريع بالفاء إشعار بأن علمهم بأن الخلق للحكمة حامل لهم على قولهم قنا عذاب النار، أى احفظنا عنه وامنعه عنا.
अज्ञात पृष्ठ