हमयान ज़ाद
هميان الزاد إلى دار المعاد
وقيل الفتنة الابتلاء والاختبار ولا يصح أن تكون جملة لا تمييز جواب للأمر، ولا نافية إذ لا يصح معنى قولك إن اتقيتموها لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، وشرط الجزم فى جواب الأمر والنهى أو غيرهما كما قال ابن هشام تقدر الشرط من مضمون ما قبله، مثل لا تدن من الأسد تسلم، أى لا تدنى منه تسلم، فقد لا النافية، لأن النهى نفى إلا على مذهب الكسائى ومن معه من الكوفيين، فلا يشترطون ذلك فيجيزون الجزم فى قولك لا تدن من الأسد يأكلك، بتقدير إن تدن منه يأكلك، فيجوز على قولهم كون لا تصيبن جوابا للأمر أى إن لم تتقوها لا تصيبن، وهكذا يقدرون ما يناسب الكلام، لكن من جنس ما تقدم، فتقدير القاضى إن أصابتكم لا تصيبن الخ لا يصح كما قال ابن هشام، ولو أقره السعد والسمنى إذ لا يناسب كونه جوابا للأمر، ولا يتبين وعليه فتصيب فى محل جزم، ويضعفه أن جواب الشرط متردين الوقوع وعلمه فلا يليق به النون المؤكدة لكن لما تضمن النفى معنى النهى ساغ كقوله
لا يحطمنكم سليمان
كذا قيل. قلت تضمن النفى معنى النهى لا يخرج الجواب عن التردد، لأن جواب الشرط متردد، ولو كان طلبا لتعليقه بالشرط وقوعا أو عدما، والأولى أن يقال كما قال ابن هشام وخالد وغيرهما إن تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية قليل، ووجه وروده شبهها بالناهية صورة، فيكون التضعيف بالقلة، فيجاب بتضمين معنى النهى. وقيل إن تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية مختص بالضرورة، ويجوز كون لا تصيبن نعتا لفتنة ولا نافية وفميا مر من قلة تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية، وإن أجيب بتضمنها معنى النهى أحوج ذلك إلى تقدير القول، وإلى التأويل بأن الكلام من التغير بالمسبب اللازم عن السبب الملزوم، يما يحوج إلى ذلك التقدير، وذلك التأويل جعل لا ناهية، وحمل الكلام على النعت، وذلك لأن الطلب لا يقع نعتا، فقدر القول وإصابة الفتنة الظالم وغيره مسلية عن التعرض لها، ولازمة له، والتعرض سبب ولازم، والاصل لا تتعرض لها فتصيب الظالم وغيره، وأنت خبير بأن الإصابة لا تختص بالمتعرضين كما تراه واضحا من العبادة، ولو كان مفعول الإصابة هو فاعل التعرض خلافا لبعض المتأخرين وغيرهم كالقاضى وابن هشام. قيل ويجوز تنزيل الفتنة منزلة العاقل الذى ينهى، فلا يحتاج إلى ذلك التأويل، ولك أن تجعل لا ناهية، والكلام مستأنفا فلا يقدر القول، ولكن يحتاج إلى ذلك التأويل أو إلى هذا التنزيل، ويجوز كون لا تصيبن جوابا لقسم المحذوف، وتوكيد الفعل بالنون بعد لا النافية فى جواب القسم جائز تنزيلا لها منزلة اللام، ويؤيده قراءة ابن مسعود لتصيبن باللام لا بلا، وكذا قرأ على، وزيد بن ثابت، وأبو جعفر محمد ابن على، والربيع بن أنس، وأبو العالية، وابن خمار، وحكاه النقاش عن الزبير بن العوام، وهو مخالف لما مر عنه من تأويل الآية بنفسه، ومن معه يوم الجمل، والإصابة فى هذه القراءة خاصة بالظالمين. قال أبو الفتح أن يكون الأصل فى هذه القراءة لا تصيبن خفف بحذف الألف اكتفاء بالفتح، وأن يكون الأصل فى قراءة لا تصيبن، لتصيبن أشبعت اللام فتولدت الألف، وحكى النقاش، عن ابن مسعود واتقوا فتنة أن تصيب الذين، فالمصدر من تصيب بدل اشتمال من فتنة، وقال الأخفش على بن سليمان لا تصيبن على معنى الدعاء والاستئناف، أو النعت على تقدير القول، والمراد أنه على طريق الدعاء لا حقيقة الدعاء، وأنها لا تصيب الظالم بها فقط، بل الظالم بها والظالم بغيرها كما مر، فبطل قول بعضهم إن هذا إنما يأتى إن كان الكلام مقولا على لسان بعض الناس، وفيه ما لا يخفى، وأنه شديد الضعف، أو خاصة مفعول مطلق، أى إصابة خاصة أو حال من الضمير فى تصيب.
وزعم بعضهم أنه يجوز كونه حالا من الذين على معنى أنهم غير مختصين بها، وهو ضعيف، لأن الذين بمنزلة جمع المذكر السالم، وقولك جاء الشاهدون راكبة، ضعيف، والراجح راكبين بخلاف جاء الشهود راكبة، قلما ضعف فيه، ومن للتبعيض، قال بعضهم إلا إذا جعلت لا ناهية مستأنفة أو نافية فى جواب قسم، فللتبيين وأن فائدة التبيين التنبيه على أن الظالم منكم أقبح من الظالم من غيركم. { واعلموا أن الله شديد العقاب } على من أوقد نار الحرب.
[8.26]
{ واذكروا } يا أيها الذين آمنوا { إذ } مفعول به للفعل قبله، أو ظرف متعلق بمحذوف نعت لمفعول محذوف، أى اذكروا حالكم الكائنة والثابتة إذ { أنتم قليل مستضعفون فى الأرض } أرض مكة وأرض المدينة، فإن المهاجرين قليل، وأهل المدينة قليل. { تخافون أن يتخطفكم الناس } باقى العرب والفرس والروم { فآواكم } تكفل بكم وحفظكم منهم { وأيدكم } قواكم { بنصره } يوم بدر على من قاتلكم نصرا متعديا إلى غيرهم، وقيل الخطاب للمهاجرين، استضعفهم كفار قريش وغيرهم، وخافوا أن يتخطفوهم فآواهم الله سبحانه إلى المدينة، أى ضمهم إليها، أو جعلها لهم مأوى يتحصنون به، وأيدهم بنصره بالأنصار وبإمداد الملائكة. وقيل الخطاب للعرب مطلقا، فإنهم كانوا أذلاء فى أيدى فارس والروم والترك وأعرى أجساما وأجوع بطونا، وأشدهم ضلالا، وأشقاهم عيشا ، يوكلون ولا يأكلون فآواهم الله عز وجل بالنبوة والشريعة والنصر، وفتح البلاد، وغلبت الملوك، ورد هذا القول بأن العرب كانت وقت نزول الآية كافرة إلا القليل والبلاد غير مفتتحة، والملوك غير مغلوبة، نعم يصح ما ذكره بعد من أن الخطاب للعرب، والإيواء والنصر بيوم بدر، لكن باعتبار أنه إذا كانت هذه القوة والنصرة فى العرب المسلمين، ولو على العرب المشركين فهى لسائر العرب، عزلو علموا يتوصلون به إلى غلبة الملوك { ورزقكم من الطيبات } الحلال مطلقا أو ما يستلذ من المآكل والمشارب والملابس، أو من الغنائم { لعلكم } تعليل أو ترج مصروف إلى المخاطبين { تشكرون } هذه النعم.
[8.27]
{ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } بإفشاء السر إلى الكفار، أو بتقويتهم بفعل أو رأى، أو بتعطيل الفرائض والسنن، أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون، أو بالغلول فى الغنائم، قال الزهرى، والكلبى، وعبد الله بن أبى قتادة نزلت الآية فى أبى لبابة بن رفاعة بن عبد المنذر الأنصارى، من بنى عوف بن مالك، إذ قال لبنى قريظة فى حكم سعد إنه الذبح، أو فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه الذبح، وتأتى قصته إن شاء الله فى سورة الأحزاب. وقيل اسم أبى لبابة مروان، وقيل هارون، وروى أنه قال والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أمرت أو يتوب الله على، وربط نفسه بسارية فى المسجد. وقال السدى كانوا يسمعون الشئ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفشونه، حتى يبلغ المشركين، فنزلت الآية. وقال عطاء بن أبى رباح،
" عن جابر بن عبد الله سببها أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل النبى صلى الله عليه وسلم فقال إن أبا سفيان فى مكان كذا وكذا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه " إن أبا سفيان فى موضع كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا " فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم "
قال العلماء فعلى هذا معنى آمنوا أظهروا الإيمان، وقد ضعف فى قلوبهم، أو أسروا الشرك، ويحتمل أن يخاطب المؤمنين حقا أن لا تفعلوا فعل ذلك المنافق. وزعم المغيرة بن شعبة فيما ذكر الطبرى، وجار الله أنها نزلت فى قتل عثمان، والمعنى لا تقتلوه ولا تخذلوه، ولا يخفى مع كونه خطأ وتعصبا أنه بعيد، وأصل الخيانة النقص، كما أن معنى الوفاء التمام، فإنك إذ خنت الرجل فى شئ وقد أدخلت عليه النقص فيه، واستعمل فى ضد الأمانة لتضمنه إياه، قال جار الله، والقاضى إن النقض خفيته، وقد قال ابن عباس المراد خيانة ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله. { وتخونوا أماناتكم } عطف على تخونوا، فهو مجزوم، ولا تخونوا أماناتكم، أو عطف مصدره على لفظ الخيانة مقدرا مما قيل أى لا تكن منكم خيانة لله ورسوله، خيانة لأماناتكم، فهو منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الواو فى جواب النهى مثل لا تكن جلدا وتظهر الجزع، لكن على معنى أن خيانة الله ورسوله تصاحبها، وتترتب عليها خيانة الأمانات فيما بينكم، فاترك الخيانة كلها لا على معنى لا تجمعوا بين الخيانتين، ولكم إفراد إحداهما، وهو خلاف المشهور فى نصب الفعل بعد الواو فى الجواب، فالجزم أولى. وقد يقال نهاهم عن الجمع بينهما لأنه أقبح، ولم يرد أن إفراد أحدهما جائز، وقرأ مجاهد وأبو عمرو بن العلاء فى رواية عنه أمانتكم بالإفراد وفتح التاء، وقدر بعضهم المضاف أى وتخونوا ذوى أماناتكم، وفى الحديث
अज्ञात पृष्ठ